أولًا الجانب الفقهي:
نتيجة لسطحية الكثير من أهل هذا العصر هيمنت موجة من الغموض حول ما تضمنه هذا العلم وظهرت تصورات خاطئة تجاهه كما راجت أفكار فاسدة بينهم نحو نقاد الحديث وفي مقدمتهم الإمام البخاري . ومن بين هذه الأفكار كون بضاعة المحدثين زهيدة في الفقه ، كما أنهم قليلو العناية بالتفقه والنظر في المتون ، وكثيرو الاهتمام بنقد الإسناد وجرح الرواة وتعديلهم ، حتى كتب بعضهم: (( ترى البخاري نفسه ، على جليل قدره ودقيق بحثه يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية ، والمشاهدة التجريبية على أنه غير صحيحة لا قتصاره على نقد الرجال ) )اهـ . وفي الحقيقة أن أحاديث الصحيحين ـ صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم ـ تلقتها الأمة بالقبول ، وفي مقدمتهم أئمة الأصول والفقه . فهذا إمام الحرمين يقول: (( لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في الصحيحين مما حكما بصحته من النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق لإجماع المسلمين على صحته ) ) (1) . وأقره كافة المتأخرين ، وحتى في علماء الأصول والفقه من ادعى (2) بأن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته ، والعلم القطعي حاصل فيه ، سوى أحرف يسيرة تكلم فيها بعض أهل النقد من الحفاظ . وجدير بالذكر أن الاستثناء من إفادة اقطع فقط .
إن المظاهر العلمية التي تميز المرحلة الأولى تقطع بأن علوم الحديث تضم جانبين: الجانب الأول ما يتعلق بمعرفة الصحيح والسقيم وجميع ملابساته ، والجانب الثاني: ما يتصل بفقه الحديث وفهم معناه ، ومن أبين البراهين التي تؤيد ذلك كتاب (( الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه أيامه ) )الذي ألفه الإمام العبقري محمد بن إسماعيل البخاري في مدة استغرقت ست عشرة سنة ، وكذا ما ظهر في عصره ، وقبله ، وبعده من المصنفات والموطآت والسنن والجوامع التي تم ترتيب أحاديثها على نسق فقهي ، مما يدل على مدى اهتمام أصحابها المحدثين بالجوانب الفقهية ، ومدى تضلعهم في قواعد الاستنباط الفقهي ، ومدى قدرتهم العلمية على تمييز الصحيح من السقيم ، وكشف أخطاء الرواة فيما رووه ، وكذب المغرضين وانتحالهم .
والواقع أن صحيح الإمام البخاري يوضع فوق كافة المصادر الحديثية وذلك لاحتوائه على شقي علوم الحديث: الفقه والنقد ، بصورة دقيقة ، ومتكاملة ، فإذا كانت التراجم والعناوين في صحيحه تضم الأمور الفقهية ، والمسائل الأصولية ، التي شغف العلماء باستخراجها ، فإن قواعد تصحيح الحديث وتعليله تتبلور بشكل واضح في اختياره لأحاديث صحيحه قصد الاعتماد عليها كما أثبت ذلك كل من تتبعه من جهابذة المحدثين حديثًا حيث إنهم لم يجدوا فيها سوى دقة الإمام البخاري المتناهية ونظرة الثاقب ، فإن الأحاديث المعلولة التي اعتمد عليها البخاري نادرة جدًا ، لقناعته الشخصية بصحتها كما وقع ذلك للإمام مسلم أيضًا ، فذلك أمر طبيعي جدًا لا يقدر البشر رفضه مهما كانت مكانته العلمية ، وأما بقية الأحاديث المعلولة فإن الإمام البخاري أفاد بصنيعه ، ولفتته العلمية أنه سبقهم إلى معرفة عللها ، وأنه لم يذكرها للاعتماد عليه وإنما ذكرها في صحيحه لأغراض علمية جانبية فقط .
كما أبدع الإمام الترمذي ـ رحمه الله ـ في سننه بإبراز الجوانب الفقهية والنقدية فقد كان يصرح بالتصحيح والمسائل الفقهية واختلاف العلماء فيها منذ الصحابة .
إن فقهاء المحدثين منذ عصر التابعين إلى نهاية القرن الرابع تقريبًا ، ومن أ[رزهم الفقهاء السبعة المشهورون بالمدينة المنورة ، وأصحاب المذاهب المذاهب المشهورة ، كانوا يشكلون طائفة تدعى بأهل الحديث في مقابل أصحاب الرأي ، وهذا كله يبرهن بكل وضوح على مدى اهتمام المحدثين النقاد بفقه الحديث .
يقول علي بن المديني ، وهو المدرسة الحديثية الرئيسية التي تخرج منها الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ (( التفقه في معاني الحديث نصف العلم ، ومعرفة الرجال نصف العلم ) ) (3) .
ويقول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: (( إن العالم إذا لم يعرف الصحيح الصحيح والسقيم ، والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالمًا ) ) (4) .
ويقول قتادة أحد أساطين الحديث: (( من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه ) ) (5) .
ويقول سعيد بن أبي عروبة من كبار تلاميذ قتادة في الحديث: (( من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالمًا ) ) (6) .
ويقول سفيان بن عيينة أحد كبار المحدثين: (( أجسر الناس على الفتوى أقلهم علمًا باختلاف العلماء ) ) (7) .
ويقول عطاء بن أبي ربح: (( لا ينبغي لأحد أن يفتي الناي حتى يكون عالمًا باختلاف الناء ، فإن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه ) ): يعني الفقه (8) .
وعن علي بن خشرم: (( كنا في مجلس سفيان بن عيينة فقال: (( يا أصحاب الحديث تعلموا فقه الحديث حتى لا يقهركم أصحاب الرأي ) ) (9) .
وفيما نقله الكتاني في مقدمة كتابه (( نظم المتناثر ) )كان سفيان الثوري وابن عيينة وعبدالله بن سنان يقولون: (( لو كان أحدنا قاضيًا لضربنا بالجريد فقهيًا لا يتعلم الحديث ، ومحدثًا لا يتعلم الفقه ) ) (10) .
وعن سفيان الثوري: (( تفسير الحديث خير من الحديث ) ) (11) يعني سماعه وحفظه ، كما ورد عن أبي أسامه: (( تفسير الحديث خير من سماعه ) ) (12) .
وعن ابن مهدي: (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت بجنب كل حديث تفسير ) ) (13) ، وعن ابن عيينة: وهو يحدث بحديث الزهري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من استنشق فلنثر ، ومن استجمر فليوتر ) )قال سفيان: (( لا تدرون ولا تسألون ) )قال رجل: ترضى بقول مالك ؟ فقال سفيان: (( ألا تعجبون من هذا ؟ يقولون لي: ترضى بقول مالك ؟ أتدري ما مثلي ومثل مالك ؟
إنما مثلي ومثل مالك ، كما قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
فما قال مالك ؟ هو الاستنجاء ، قال: (( فهو كما قال ) ) (14) .
إن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ يعتبر أول من وضع كتابًا في أصول الفقه والحديث ، وهو ما يعرف (( بالرسالة ) )، وذلك تلبية لرغبة أبداها عبدالرحمن بن مهدي ، إذ كتب إليه عبدالرحمن بن مهدي ، أحد أركان الحديث ، وهو شاب ، أن يضع له كتابًا ، فيه معاني القرآن ، ويجمع قبول الأخبار فيه ، وحجة الإجماع ، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة فوضع له كتاب الرسالة (15) .
وقال علي بن المديني: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبدالرحمن بن مهدي عن كتابه فقد كتب إليه يسألك ، وهو متشوق إلى جوابك ، فأجابه الشافعي ، وأرسل الكتاب إلى ابن مهدي مع الحارث بن سريج القفال الخوارزمي (16) .
يقول العلامة أحمد شاكر: (( هو أول كتاب ألف في أصول الفقه ، بل هو أول كتاب ألف في أصول الحديث أيضًا ) )، إن أبواب الكتاب ومسائله التي عرض الشافعي فيها الكلام على حديث الواحد والحجة فيه ، وعلى صحة الحديث وعدالة الرواة ، ورد الخبر المرسل والمنقطع إلى غير ذلك ، وهذه المسائل عندي أدق وأغلى ما كتب العلماء في أصول الحديث ، بل إن المتفقه في علوم الحديث يفهم أن ما كتب بعده إنما هو فروع منه وعالة عليه ، وإنه جمع ذلك وصنفه على غير مثال سبق (17) .
وكذا ألف الإمام الشافعي في اختلاف الحديث ثم تبعه ابت قتيبة أو يحيى زكريا بن يحيى الساجي ، والطحاوي وابن الجوزي ، كل هذا دليل على مدى اهتمام المحدثين النقاد بالجوانب الفقهية والأصولية ، إن مجال عنايتهم بالتفقه وأصول الاستنباط مجال واسع يستحق أن يخصص له بحث أكاديمي .
وهذا الإمام الحاكم يلفت الانتباه إلى ذلك بقوله: (( من علم الحديث معرفة فقه الحديث ، إذ هو ثمرة هذه العلوم ، وبه قوام الشريعة ، فأما فقهاء الأسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر فمعروفون في كل عصر وأهل كل بلد ، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحر فيها لا يجهل فقه إذ هو نوع من أنواع هذا العلم ) ) (18) .
وكذا الخطيب البغدادي يؤد ذلك بقوله: (( وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كتب الأحاديث ، والمثابرة على جمعها من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين وينظروا نظر السلف الماضيين في حال الراوي والمروي وتمييز سبيل المرذول والمرضي واستنباط ما في السنن من الأحكام وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام … وأما المتحققون فيه المتخصصون به فهم الأئمة العلماء والسادة الفهماء أهل الفضل والفضيلة والمرتبة الرفيعة حفظوا على الأمة أحكام الرسول وأخبروا من أنباء التنزيل ، وأثبتوا ناسخه ومنسوخه ، وميزوا محكمه ومتشابهه ودونوا أوقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وضبطوا على اختلاف الأمور أحواله في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وملبسه ومركبه ومأكله ومشربه ) )
(( … ولولا عناية أصحاب الحديث وضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة ، وتعطلت أحكامها إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة ومستفادة من السنن المنقولة … ) ) (19) .
فهذه النصوص ، وطبيعة الحركة العلمية المكثفة في المرحلة الأولى ، تؤكد على أن فقه الحديث نصف علوم الحديث ، ومن ثم فإن جميع كتب علوم الحديث المطولة كمعرفة علوم الحديث للحاكم ، والكفاية للخطيب البغدادي وسائر كتب المصطلح تحوي مبحث الناسخ والمنسوخ ، ومبحث مختلف الحديث وغريب الحديث ، ومبحث الترجيح ، ومبحث حجية السنة ، بل أصبحت من أهم القضايا التي عالجتها معظم كتب علم الحديث .
غير أن الاهتمام الفقهي لدى أئمة الحديث لم يدم طويلًا فبمجرد أن بدأ علم الفقه وعلم الأصول يعرفان شيئًا من التطور في المرحلة الثانية حتى أخذ كل واحد منهما يتفصل عن علوم الحديث ، وأصبح كل من هذه العلوم الثلاثة علمًا مستقلًا ، قائمًا بذاته وعلمًا بأن المرحلة الثانية لم تشهد من نبحر فيها جميعًا كما شهدته المرحلة الأولى ، فإذا تخصص أحد في الأصول فبضاعته في الحديث والفقه قليلة ، وإن كان اهتمامه في الفقه أكثر فإن علوم الحديث وأصول الفقه لا تحظى منه بالعناية المطلوبة وإن كان محدثًا فصلته بالعلوم الأخرى تكاد تكون منعدمة .
فمرحلة ما بعد الراوية تتميز إذن بهذه المظاهر العامة التي تفصل كلا من العوم الثلاثة عن بعضها في اهتمام العلماء وتكوينهم العلمي . بخلاف المرحلة الأولى ، ولعل ذلك لكثرة التدقيق والتحقيق في الجوانب التي يتخصص فيها ؛ لكن الغريب أن يأتي البعض ليخلط بين المتقدمين والمتأخرين ، ويعمم هذه الظاهرة عليهم جميعًا .
(1) ه السيوطي في تدريب الراوي 1/131ـ 132 .
(2) ن الصلاح وغيره ، انظر التدريب 1/131ـ 135 .
(3) سير أعلام النبلاء 11/48 .
(4) حكاه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص: 60
(5) جامع بيان العلم لابن عبدالبر2/46 .
(6) المصدر السابق
(7) نفسد المصدر
(8) نفسد المصدر
(9) معرفة علوم الحديث ص: 66 .
(10) نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص: 3 .
(12) أدب الإملاء ، للسمعاني ص: 135 .
(14) أدب الإملاء للسمعاني ص: 135 .
(15) ه الخطيب البغدادي في تاريخه: 2/64ـ65 .
(16) نتفاء ، لابن عبدالبر ص: 72ـ73 .
(17) مقدمة الشيخ أحمد شاكر للرسالة ، ص: 13 .
(18) معرفة علوم الحديث ص: 66 .
(19) فاية ص: 18ـ22 .