فبالأمثلة يتضح ذلك جيدًا ، إن كلمة (( الحسن ) )ذكرها ابن الصلاح قسيمًا للصحيح ، وتبعه كل من جاء بعده ، وأقروه ، واستقروا عليه ، وعليه فإن ما يقال في تعريفه ينبغي أن يكون مانعًا عن دخول الصحيح فيه ، كما يجب أن يكون مانعًا عن دخول الصحيح فيه ، كما يجب أن يكون جامعًا لكافة أفراده بوضح وصراحة ، وإلا لا يصح تعريفه به عند المتأخرين ، ولهذا لم يرض الإمام ابن الصلام بما ورد عن بعض المتقدمين من التوضيحات في موضوع (( الحسن ) ).
قال الإمام الخطابي: (( الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ) )، وقال: (( وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء(1) .
وقال الإمام الترمذي: (( وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا ، كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا ، ويروى من غير وجه نحو فهو عندنا حسن(2) .
وقال الإمام ابن الجوزي: (( الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن ، ويصلح العمل به ) ) (3) .
وقال الإمام ابن الصلاح معقبًا على ما سبق: (( كل هذه مستبهم لا شفي الغليل ، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح ) ) (4) فإن ظاهر ما ذكروه منطبق على الصحيح ، وأما قول ابن الجوزي فلا يشمل كافة أفراد الحسن ، فإنه لا يصدق على الحسن لذاته الذي في إسناده صدوق مرتبته بين الثقة والضعيف غير المتروك ، أو لأن قوله: (( فيه ضعف قريب محتمل ) )غير ضابط ، وهذا مخالف لضوابط التعريف وشروطه .
فجنح الإمام ابن الصلاح إلى تقسيمه إلى حسن لذاته وحسن لغيره ليتسنى له ذكر ما يفصل كلًا منهما عن الآخر وعن الصحيح ، فقال:
(( وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث ، جامعًا بين أطراف كلامهم ، ملاحظًا مواقع استعمالهم فتنقح لي واتضح أن الحديث قسمان:
أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور ، لم يتحقق أهليته ، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ فيما يرويه ، ولا هم منهم بالكذب في الحديث ـ أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق ـ ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف ، بأن روى مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر ، حتى اعتضد بمتابعة من تابع رواية على مثله ، أو بما له من شاهد ، وهو ورود حديث آخر بنحوه ، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًا أو منكرًا ، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل )) .
(( القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ، غير أنه لم يبلغ درجة الصحيح ، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا ويعتبر في كل هذا ـ مع سلامة الحديث من أن يكون شاذًا ومنكرًا ـ سلامته من أن يكون معللًا ، وعلى هذا القسم يتنزل كلام الخطابي ) ).
فهذا الذي ذكرناه جامع لما تفرق في كلام من بلغنا كلامه في ذلك ، وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن ، وذكر الخطابي النوع الآخر ، مقتصرًا كل واحدًا منهما على ما رأى أنه لا يشكل ، أو أنه غفل عن البعض وذهل ، والله أعلم ، هذا تأصيل ذلك وتوضيحه . انتهى كلامه (5) .
فتوفيرًا لشروط الحد والتعريف فيما ذكر كل من الإمامين ـ الخطابي والترمذي ـ عن موضوع الحسن ـ حيث إنه ظهر فيه غموض وإشكالية فنية ، لجأ الإمام ابن الصلاح ، ـ رحمه الله ـ إلأى تقسيم الحسن إلى قسمين ـ دون سابق عمل أو تصريح يصح الإستناد إليه من قبل المتقدمين ووصفهما المتأخرون بأنهما الحسن لذاته ، والحسن لغيره ثم فسر ابن الصلاح القسمين بحيث يتم له حمل قول الخطابي على القسم الأول ، وقول الترمذي على القسم الثاني حتى أصبح كل منهما تعريفًا مقبولًا يمنع دخول الصحيح فيه ، وأقره جميع المتأخرين في كتبهم ، حتى استقر لديهم بأن الحسن لذاته يفترق مع الصحيح يكون رواية صدوقًا ، بينما ينفصل الحسن لغيره عن الصحيح يكون رواية ضعيفًا غير متهم مع وجود الاعتضاد بمتابعة أو شاهد .
فالصحيح إذن عندهم قسيم للحسن لا يجتمعان أبدًا ، ومن هنا صار استعمال المتقدمين بالجمع بينهما وإطلاقهم (( حسن صحيح ) )مشكلًا علميًا عويصاُ انشغل المتأخرين في سبيل حلها عن تحرير المسائل العلمية التي يحملها مصطلح (( الحسن ) )وفي الحقيقة إنه لا يوجد في مصطلحات الحديث مصطلح شغل المتأخرين في تحديد مدلولة وضبطه مثل (( الحسن ) ).
وهذا الذي ذكره الإمام ابن الصلاح في تقسيم الحسن إلى القسمين لا يخلو من حؤاخذات علمية بعضها سبق إليها بعض المحققين ، مثل الحافظ العراقي وابن حجر ، والأخرى لم يناقشها أحد ، وتلاحظ هذه الآخذ عندما نعرض هذا التقسيم على نصوص الخطابي والترمذي ، وعلى الواقع العلمي الملموس في ممارسات النقاد ، وبيانها في موضع آخر ـ إن شاء الله ـ .
إن تركيب الوصفين (( حسن صحيح ) )لم يكن مشكلًا لغويًا ولا فنيًا بذاته ، وإنما ظهر الإشكال فيه من جهة تفسيره بمنهج المتأخرين الذي يفصل كلًا منهما عن الآخر بحيث لا يصح اجتماعهما في حديث واحد ، أما إذا نظرنا إليه من زاوية منهج المتقدمين الذي يوسع مدلوليهما ، فلا مجال للإشكال . فالحسن في لغة النقاد أعم من الحسن في اصطلاح المتأخرين ، فقد أطلقوا على الصحيح حسنًا ، وعلى كل مقبول لم يكن مردودًا حسنًا أيضًا وذلك في مقابل المنكر ، أو الباطل ، أو الموضوع ، وهذا أمر ظاهر جلي لكل من تتبع كلام النقاد ومواقع استعمالهم ، كما نبه على ذلك الحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر .
يقول الحافظ الذهبي: (( ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسن وعليه عبارات المتقدمين فإنهم قد يقولون فيما صح هذا حديث حسن(6) .
ويقول الحافظ بن حجر: (( قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي ، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي ومنهم من لا يريده ، فأما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي على حديث ابن عمر في استقبال بيت المقدس … بكونه حسنًا خلاف الاصطلاح ، بل هو صحيح متفق على صحته ، وكذا قال الشافعي في حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في السهو .
وأما أحمد فإنه سئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: (( أصح ما فيها حديث أم حبيبة ) ).
وسئل عن حديث بسرة فقال صحيح ، قال الخلال: إن أحمد بن أصرم سأل أحمد عن حديث أم حبيبة في مس الذكر فقال: هو حديث حسن ، فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح (7) .
وقد تتبعت كلام الإمام البخاري فوجدت فيه إطلاق الحسن على الصحيح ، وعلى الضعيف الذي لم يمن مردودًا ولا منكرًا ، وعلى المتوسط بينهما ، أي بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف ، لكن استخدام مصطلح الحسن في الحديث المقبول الذي لم يرتق إلى مستوى الصحيح ، ولم ينزل إلى درك الواهي المردود أكثر مما سواه .
ولا بد من أمثلة تبين المراد:
(1) معالم السنن 1/6 .
(2) شرح العلل 1/340 تحقيق (( نور الدين عتر ) ).
(3) الموضوعات 1/35 .
(4) مقدمة ابن الصلاح ص19 ( تحقيق الدكتور مصطفى البغا ) .
(5) مة ابن الصلاح ص: 16ـ 20 .
(6) الموقظة ص32 .
(7) كت على مقدمة ابن الصلاح 1/424ـ426 .