وأما الشاذ فقد قيده المتأخرون بما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أوثق منه ، وإن كان لهم في ذلك سلف فإن كثير من المتقدمين لم يوافقوا علبه مما يلح على الدارس أو الباحث التفطن لوجود خلاف حوله بين الأمة المتقدمين أنفسهم فعند الحفاظ غير الحجازيين إن (( الشاذ ) )هو الحديث الغريب الذي له عاضد من شاهد سواء تفرد به ثقة وأغربه ، أو تفرد به ضعيف وأغربه .
فقد ورد عن الأعمش: (( كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام ) )وعن أبي يوسف: (( من طلب غرائئئب الحديث كذب ) )وعن الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء ، وعن مالك: (( شر العلم الغريب ) )وعن عبدالرزاق: (( كنا نرى أن غريب الحديث خير ، فإذ هو شر ) ) (1) .
وعن صالح بن محمد الحافظ: (( الحديث الشاذ المنكر الذي لا يعرف ) ) (2) .
ويقول أبو داود: (( ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًا ) ) (3) .
وقال الإمام أحمد في حديث أسماء بنت عميس: (( تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي ما بذا لك ) ) (( إنه الشاذ المطروح ) ) (4) .لأنه مخالف للثابت المعمول به في قضية مدة العدة .
ويقول ابن رجب: (( ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة ) ) (5)
وعلى ذلك فإن (( الشاذ ) )يصدق على المنكر ، فقد سوى بينهما الإمام ابن الصلاح خلافًا للآخرين من المتأخرين .
وأما الشافعي وغيره من حفاظ الحجاز فقيدوا برواية الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه ، وخلاصة القول أن المتقدمين اختلفوا في معنى (( الششاذ ) )، وأن جل المتأخرين استقروا على رأي الإمام الشافعي ، فينبغي التفطن لهذا التباين المنهجي بينهم كي يفسر (( الشاذ ) )حسب منهج قائله دون خلط فيه ، ومن الأخطاء المترتبة على خلط المناهج ما وقع من كثير من المتأخرين حين تفسيرهم للشاذ الذي ورد في قول الترمذي في (( الحسن ) ).
قال الترمذي: (( كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حسن ) ) (6) .
وقد فسر الحافظ ابن رجب كلمة الشاذ الواقعة في نص الإمام الترمذي بما ذكره الشافعي (7) ، وكذا فسرها الحافظ ابن حجر (8) وتفسيرها بما ذكره الشافعي لا يستقيم هنا لأن الشاذ عنده مقيد برواية الثقة ، وأن قول الإمام الترمذي إنما هو فيما يخص برواية غير الثقة وغير المتهم ، فكيف إذن يتحقق هنا معنى الشاذ على رأي الشافعي ؟ على أن الترمذي ليس من الحجازيين الذين يقولون بذلك ، ، ولهذا أصبح قول الترمذي الأخر ـ وهو (( ويروى من غير وجه ) )تفسيرًا لقوله: (( ولا يكون شاذًا ) )، وقد فهم ذلك بعض المتأخرين كما نقله الحافظ العراقي ـ إذا قال: إن قول الترمذي: (( ولا يكون شاذًا ) )زيادة لا حاجة إليها ، لأن قوله: (( يروى من غير وجه ) )يغني عنه ، ثم قال: (( فكأنه كرره بلفظ مباين ) ) (9) وهذا هو (( الصحيح ) )وإن رفضه الحافظ ابن حجر بناء على أن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد ، ولا سيما في التعاريف (10) .
وجدير بالذكر أن هذا المصطلح نادر الاستعمال لدى المتقدمين ، فإذا تتبعت كتب العلل فإنك لا تكاد تجد فيها كلمة (( الشاذ ) )، ولا يعني هذا أنهم لا يعتبرون الحديث الشاذ معلولًا ، وإنما أوردوا ما يقال فيه (( الشاذ ) )على كل المناهج بعبارات أخرى واضحة مثل قولهم: (( هذا خطأ ) ) (( هذا غير محفوظ ) ) (( هذا وهم ) )ونحو ذلك .
ولتوضيح ذلك أذكر بعض الأمثلة:
(1) شرح ابن رجب لعلل ص: 236 ( تحقيق السامرائي ) .
(2) المصدر السابق .
(3) رسالته إلى أهل مكة ص 29 .
(4) حكاه ابن رجب في شرح العلل ص: 236 .
(5) المصدر السابق .
(6) المصدر السابق .
(7) المصدر السابق ص: 2250 .
(8) النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/406 .
(9) التقييد والإيضاح ص: 44 .
(10) النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/406 .