فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 36

المثال الرابع :

يقول الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بـ ( قل أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) وروى إبراهيم النخعي عن مجاهد عن أبي عمر بهذا .

وأعله مسلم فقال: وهذا الخبر وهم عن ابن عمر ، والدليل عن ذلك الروايات الثابتة عن ابن عمر أنه ذكر: ما حفظ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تطوه صلاته بالليل والنهار فذكر عشر ركعات ، ثم قال: وركعتي الفجر أخبرتني حفصة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانة يصلي ركعتين خفيفتين إذا طلع الفجر ، وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها ، فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها وهو يخبر أنه حفظ الركعتين من حفصة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم ساق الروايات الثابتة في هذا المجال (1) .

وهكذا رسم لنا الإمام مسلم طريقة نقدهم للأحاديث ، وفي الواقع أن المحدثين النقاد لا يفصلون حيثيات حكمهم على الأحاديث عادة ، لأنهم بصدد التعليل والتصحيح ، وليسوا بمناسبة توضيح المنهج .

في ظل هذه الحقائق العلمية الملموسة فإن الحكم على الحديث تصحيحًا وتعليلًا ، قبولًا وردًا ، لم يقع من المحدثين النقاد بالاعتماد على صفة الراوي بغض النظر عن المتون والأمور المحيطة بروايته ، وإنما يقع ذلك بناء على معرفة موافقته للواقع أو مخالفته له ، أو تفرده بما لا أصل له ، حسبما فصلنا سابقًا ، حتى ولو كان الراوي إمامًا معروفًا ، ويوضح ذلك الإمام أحمد بقوله:

(( إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أو خطأ من المحدث أو حديث ليس له إسناد ، وإن كان قد روى شعبة وسفيان ... ) ) (2)

وكذا قول الإمام أبي داود ، فهو يقول: (( والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير ، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث ، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه الناس ، والفخر بها أنه مشاهير ، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من وراية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ) ) (3) .

ومما ينبغي له التنبيه له أن تعابيرهم يخص الحكم على الحديث تقع دائمًا موجزة وغامضة ، دون توضيح لأسبابه مثل قولهم في تعليل الحديث: (( هذا خطأ ) (( هذا وهم ) (( هذا منكر ) (( هذا باطل ) (( تفرد به فلان ) (( لا يتابع عليه ) (( غير محفوظ ) (( لا يصح ) )ونحو ذلك من الصيغ الفنية الغامضة التي لا يفهمها إلا أهل هذا الفن ، غير أن الإمام الترمذي كثيرًا ما يشير في سننه إلى حثيثات الحكم .

وإذا كانت الركيزة الأولى الأساسية للحكم على الحديث هي معرفة موافقة راويه للواقع أو مخالفته له أو تفرده بما لا أًل له ، فإن الناقد ينبغي أن تتوفر فيه من الأمور ما يؤهله لمعرفتها ، مثل جمع الأحاديث من مصادرها بجميع عناصره لا يفصل الإسناد عن المتن حيث يقوم أساسًا على المعرفة الحديثية والفقهية ، ومن ثم أصبحت علوم الحديث تحوي هذين الجانبين دون فكاك ، وعليه علم يؤدي إلى الانتفاع بالحديث ، ويقضي إلى تسهيل الاستفادة منه فبالإمكان أن نصنفه حقيقة ضمن علوم الحديث وهذا هو الحاصل بعينه عند المتقدمين .

إبرازًا لهذه الحقيقة العلمية الواقعية التي لا تزال مغمورة لدينا ، واستجلاء للمنهج النقدي الذي سار عليه المتقدمون ، عالجنا هذا الموضوع تحت عنوان: (( نظرات جديدة في علوم الحديث ) )ولله الحمد والشكر والمنة .

(1) المصدر السابق ، ص207ـ208 .

(2) حكاه الخطيب في الكفاية ص172 .

(3) رسالة أبي داود ص29 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت