فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 36

إن المرحلة الثانية من المسيرة التاريخية للسنة النبوية شهدت نشاطًا كبيرًا في حركة التأليف في علوم الحديث ، شارك فيها فئات مختلفة ، بل نجد في طليعتهم الأصوليين والفقهاء ، فيهم من اندفع إلى ذلك لا لغرض سوى الإندراج في سلك المؤلفين فيها .

ويتميز التأليف في هذه المرحلة بأسلوبه الذي اخترعه الإمام ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ في كتابه المعروف بـ (( المقدمة ) )إذ تناول فيه جميع أنواع علوم الحديث ومسائلها ضمن المصطلحات الحديثية وتعاريفها ، دون معالجتها كمسائل وقواعد كما هو الأسلوب المتبع في كتب الأوائل في المرحلة الأولى ، مثل المقدمة التي وضعها الإمام مسلم لصحيحه ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي وغيرها من الكتب التي لا توجد فيها سوى القواعد والأحكام والمسائل ، دون اهتمام بذكر المصطلحات والتعاريف إلا نادرًا جدًا ، ولعل الإمام ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ قد اخترع أسلوبه المتمثل في تقدم أنواع علوم الحديث في شكل المصطلحات تسهيلًا لطلاب الحديث ـ خاصة المبتدئين منهم ـ فهمًا وحفظًا ، وتداولًا بعد أن كانت صعب المنال في كتب الأوائل غير أن تقيد الإمام ابن الصلاح وغيره من المتأخرين بالبغة المنطقية في وضع التعريف نظرًا لما فيها من الدقة والتنظيم ، ترك آثارًا سلبية في جوانب عديدة ، سواء في تحديد مدلول المصطلح عند أصحابه المتقدمين ، ، أو تحرير المسائل التي تكمن وراءها ، أو في ترتيب أنواع علوم الحديث وتنسيقها في الذمر والطرح ، وربما تكون تلك الآثار السلبية من جهة قصور الدارسين ، لعدم عنايتهم بتوسيع النظر في منهج النقاد المتقدمين لاستخدام ذلك المصطلح وعدم ملاحظتهم لمواقع استعمالهم له ، فمصطلح الصحيح ، والحسن ، والمنكر ، والشاذ ، والعلة ، ومسألة زيادة الثقة ، وتفرده ، ومخالفته للغير ، ومسألة الاعتبار ،ـ من الأمثلة الواضحة لذلك .

وإن كان الإمام ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ معروفًا بموقفه تجاه المنطق ، وبفتواه التحريمية لدراسة مبادئه فإن اعتماده على الأسلوب المنطقي في صياغة التعريف كان في ظل التأثير بما يصح أن يقال (( بالثورة المنطقية ) )التي هيمنت على جميع العوم الشرعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت