وهذا مثال آخر لإطلاق (( الصحيح ) )على حديث يصح وصفه بالحسن حسب إصطلاح المتأخرين كأن يكون في سنده ضعيف غير متروك .
يقول الترمذي: سألت محمدًا عن حديث حدثنا هناد حدثنا عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن عبدالله عن ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر ، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ) )فقال: (( حديث ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيدالله عن ابن عباس صحيح ) ) (1) .
فابن أبي الزناد عبدالرحمن ضعيف لسوء حفظه وأخرجه له البخاري في صحيحه معلقًا ، وأما مسلم فإنما أورد حديثه في المقدمة ، فوصف البخاري حديثه هذا بالصحيح على أنه أجدر بتحسينه نظرًا إلى ضعف ابن أبي الزناد .
فهذه بعض الأمثلة التي توضح أن مدلول الحسن عام عند المتقدمين ، منا أن مدلول الصحيح لم يكن خاصًا بالحديث الذي تداوله الثقات ، بل يطلق على الحديث الذي رواه الضعيف أيضًا إذا تأكد لديهم سلامته من الخطأ والوهم بل على كل حديث محفوظ سواء أكان محفوظًا عن راو أو عن الصحابي أو عن النبي صلى الله عليه وسلم كما يتبين ذلك جليًا كونه صحيحًا دائمًا إلا إذا كان محفوظًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن معناه ثبوت الرواية عن شخص ، وقد يكون الشخص خاطئًا أو يكون ما رواه منقطعًا أو مدلسًا أو مرسلًا وقد يكون صحيحًا أيضًا ، وبيان ذلك بالأمثلة في موضع آخر ـ إن شاء الله .
فإذا ثبت أن الحسن عند المتقدمين عام وشامل بحيث يطلق على الحديث الصحيح ، والحديث المقبول فإن إطلاقهم جمعًا بين لفظي الحسن والصحيح لم يكن إى لإفادة التأكيد لمعنى القبول والاحتجاج ، وليس فيه ما يثير الإشكالية لا لغويًا ولا فنيًا ، إلا على منهج المتأخرين الذي يقضي بانفصالهما كنوعين مستقلين لا يصح الجمع بينهما .
فأما ما ذكره الإمام الترمذي في خاتمة سننه حول (( الحسن ) )فلم يكن بمثابة التعريف لمصطلح الحسن وإنما تذكيرًا بمنهجه الخاص بكتابه في استعمال (( الحسن ) )بأن يريد به معنى خاصًا وذلك عند إطلاقه غير مضاف إلى (( صحيح ) ).
(( وما ذكرنا في هذا الكتاب (( حديث حسن ) )فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا ، كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن )) (2) .
فهذا نص صريح بأنه منهج خاص بكتابه ، وذلك أن يقصد بالحسن عند إطلاقه مجردًا عن الصحيح في كتابه ذلك المعنى ، فإنه قال: ( وما ذكرنا في هذا الكتاب(( حديث حسن ) )فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا ) ، وخص بذلك نفسه ، وكتابه ، أما إذا كان الحديث مما تداوله رواه ثقات ، وشروط القبول والاحتجاج متوفرة فيه فإن الإمام الترمذي إنما يطلق عندئذ (( حسن صحيح ) )ولهذا لايكاد يفرد (( الصحيح ) )في كتابه .
فلما أراد الإمام الترمذي إطلاق (( الحسن ) )في معنى محدد اضطر إلى بيان ذلك لئلا يخطئ القراء والدارسون لكونهم لم يتعودا عليه ، ولهذا لم نجده يتطرق إبى بيان مدلول (( الصحيح ) )ولا مدلول (( حسن صحيح ) )لأن ذلك معروف لديهم وليس بحاجة إلى بيان وتوضيح .
فالإمام الترمذي إذن لم يعرف (( الحسن ) )كمصطلح متناول لدى المحدثين ، ولم يبين بأن (( الحسن ) )عندهم ما دون (( الصحيح ) )بل أفاد بصنيعه في كتابه أن (( الحسن ) )يطلق على الصحيح ، وأن (( الحسن ) )يختلف معناه عند إضافته إليه ، ولم يكن الترمذي ـ رحمه الله ـ مخترعًا لمصطلح جديد غير معروف لدى المعاصرين له ، بل كان على طريقة شيخه العبقري الإمام البخاري ، فقد استعمل البخاري (( حسن صحيح ) )في حديث: (( البحر هو الطهور ماؤه ) ) (3) وكذا في حديث المستحاضة الذي روته حمنة بنت جحش قال فيه الإمام أحمد والبخاري: (( حسن صحيح ) ).
وتبين بذلك خطأ ما شاع لدى الكثيرين من أن الترمذي قد عرّف (( الحسن ) )كمصطلح بما يفصله عن (( الصحيح ) )وفي الواقع فإن معنى (( الحسن ) )عنده وعند غيره من النقاد عام وشامل ، ولهذا السبب فإنه لا يكاد يفرد (( الصحيح ) )من غير إضافته إلى (( الحسن ) ).
وعلى هذا فإن التأويل والتفسير لتحديد قصدهم بكلمة (( الحسن ) )وغيرها من التعابير ينبغي أن يتم في إطار منهجهم وأسلوبهم ، ولا على طريقة المتأخرين التي تمخضت عنها عدة عوامل طبيعية والتي انشغل بها هؤلاء المتأخرون بعد عصر المتقدمين كما بيناها في التمهيد .
وهذا يدعونا بإلحاح إلى دراسة معقمة لمنهجهم من خلال معاملة كتبهم وتتبع أقوالهم ونصوصهم ، وليس عن طريق حفظ المصطلحات وتعاريفها من كتب المتأخرين .
والجدير بالذكر أن المتقدمين ـ وإن كانوا يوسعون مدلول كلمة (( الحسن ) )وإطلاقه على (( الصحيح ) )غير ملتزمين بمعناها الذي استقر عليه المتأخرون من بعدهم ـ فإنهم يفرقون عمليًا بين الحديث الذي تداوله الثقات المعرفون من دون خطأ ووهم ، وبين الحديث الذب تناقله الضعفاء مع وجود الاعتضاد الخارجي له ، كما يبرهن عليه صنيع الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحهما حيث إنهما تقيدا والتزما في أصولهما بالنوع الأول دون الثاني بخلاف السنن الأربعة فإنها تحتوي على النوعين كليهما ، كما أنهم يقسمون الحديث إلى ثلاث مراتب بالنظر إلى الواقع: مرتبة الاحتجاج ، ومرتبة الترك ، ومرتبة المتوسط بينهما ، غير أنهم لم يتفقوا عمليًا على تخصيص هذه المراتب الثلاث بعبارات فنية ، ولهذا نجد المصطلحات المستخدمة لديهم لا تخرج عن ش من هذه المراتب الثلاث ، إذ أنهم بطبيعتهم العلمية الخاصة لم يعطوا اهتمامًا بالغًا في جانب الدلالات اللفظية بقدر اهتمامهم بالأمور الأساسية من المسال والمضامين ، ولهذا فإن كتبهم وأقوالهم أصبحت معقدة بكثرة الإشارات اللفظية والألغاز العلمية ، مما يفرض علينا تعميق دراستنا حول أساليبهم ومناهجهم .
فالتقسيم الثلاثي للأحاديث أمر حقيقي يلمسه كل من تتبع كتب المتقدمين وأقوالهم ، فقد قال الحافظ السخاوي: (( لم يقع في مجموع كلامهم التقسيم لأكثر من الثلاثة ، وإن اختلفوا في بعضها ) ) (4) فإن كافة أنواع القبول والرد تدور عليه .
وهذا الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ قسم الأحاديث إلى ثلاثة أقسام في مقدمة صحيحه حيث قال: (( إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليم وسلم فنقسمها على ثلاثة أقسام ، وثلاث طبقات من الناس(5 ) )ثم فصل ذلك بما خلاصته كما يل ي: (( أحاديث تداولها أهل الاستقامة والإتقان وأحاديث رواها ضعفاء لم يبلغ ضعفهم إلى حد أن يترك ، وأحاديث تناقلها قوم متركون ) )دون أن يطلق عليها المصطلحات الخاصة .
وعلى هذا التقسيم الثلاثي الواقعي جرى الإمام الترمذي فس سننه ، غير أنه أطلق على الأول (( حسن صحيح ) )وعلى الثاني (( حسن ) )وعلى الثالث عبارات فنية متنوعة تنفق في دلالتها على البطلان والترك حسب منهجهم ، مثل كلمة: غريب ، ومنكر ، وضعيف ، وغير ذلك .
ومن هنا قال الخطابي: اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاث أقسام صحيح وحسن وسقيم (6) ولعله ـ رحمه الله ـ قد أراد به التقسيم الثلاثي المجرد أكثر من تحديدها بالتعابير الفنية ، ونظرًا إلى ظاعر عبارته قال الحافظ العراقي ـ رحمه الله ـ (( ولم أر من سبق الخطابي إلأى تقسيمه المذكور ، وإن كان في كلام المتقدمين ذكر الحسن ) ) (7) يعني لم يسبقه أحد إلى تسمية الأقسام الثلاثة بالصحيح والحسن والضعيف ، والأمر كذلك ، لأنه لم يصرح أحد من المتقدمين بتخصيصها بهذه المصطلحات الثلاث وإن كانت مستعملة لديهم على وجه آخر
(1) المصدر السابق 2/668 .
(2) شرح الملل لابن رجب الحنبلي ص: 202 ( تحقيق السامرائي ) .
(3) نقله ابن رجب الحنبلي في شرحه للعلل 1/342ـ434 ( تحقيق الدكتور نور الدين عتر ) .
(4) فتح المغيث 1/13 .
(5) مقدمة الصحيح 1/50ـ55 .
(6) معالم السنن 1/6 .
(7) بصرة والتذكرة 1/12ـ13 ، وقد ذكرنا هنا بعض التأويلات لرفض قول العراقي ، ولا حاجة إليها في ضوء ما حررنا .