فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 36

قد آن الأوان كي نستبين منهج تصحيح الأحاديث وتعليلها عند المتقدمين ، والسؤال الذي يدور ببالنا هو هل إن هذا المنهج يتوخى النقد الخارجي ، مقتصرًا على الإسناد ، ودراسة أحوال الرجال كما يروج الكثيرون ذلك ؟ أم إنه نقد علمي متكامل لا ينفصل فيه الإسناد عن المتن ؟ والمتأمل البصير يدرك أن هذا المنهج يعينه هو المتوخى عندهم ، حيث إن نصوص النقاد وآثارهم العلمية تصرح بذلك أمام كل متتبع لها بإمعان ودقة . بعد دراسة تحليلية في كتب العلل ، وكتب الضعفاء ، والصحاح ، والسنن وغيراها من الكتب الحديثية التي وضعت في ضوء قواعد التصحيح والتعليل ، أو الجرد والتعديل في المرحلة الأولى ، وبعد التتبع العلمي لها عن كثب استطعنا ـ بفضل الله تعالى ـ أن نستخلص طبيعة مسلكهم في نقد الأحاديث كما يلي:

يصحح نقاد الحديث أصناف الأحاديث متى تكدوا ، وتحققوا من صدق كل راو من رواتها في سلسلة الإسناد وإصابته في عزوها لمن فوقه كما سمعها منه ، سواء رواها الثقات أم الضعفاء غير المتروكين ، كما يردونها عند شعورهم القوي بخطأ أحدهم ووهمه ، سواء كان ثقة أو ضعيفًا ، أو قد كذب وافترى ، وهناك أمور كثيرة تعتبر أساسًا في تحري صدق الراوي فيما حدث به وأتقنه له ، أو خطئه ووهمه فيه ، أو كذبه وافترائه له .

أما بخصوص تحري الصدق والإتقان فكأن يروي الراوي حديثًا يوافق المعروف عن شيخه أو عمن فوقه ، أو عن الصحابي ، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يوافق ما كان عليه عمل الصحابة ، فإن موافقته للواقع دليل على صدقه وحفظه وضبطه ، وحين تصبح الموافقة سمة بارزة له فإن نقاد الحديث يصفونه بما يدل عليه بدقة ، ويصفونه في زمرة الثقات .

فمعرفة حال الراوي ومستوى ضبطه وإتقانه متوقفة إذن على تقييم أحاديث ورواياته والأول تابع للثاني ، وبالتالي لا يمكن أن تصبح صفته وحاله نطقًا رئيسيًا للحكم على حديث في منهج المتقدمين ، ومن هنا نجدهم يصححون الأحاديث من مرويات الضعفاء متى أصيبوا فيها ويحتجون بها ، وصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم يؤيدان ذلك ، وقد جمع الحافظ بن حجر في مقدمة فتح الباري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم الذين أخرج لهم الإمام البخاري ما صح من أحاديثهم ، فهذه الحقيقية العلمية الملموسة في نقدهم تفند ما راج بين الكثيرين من أن المحدثين صححوا الأحاديث بالنظر في تراجم الرواة ، وسلسلة الإسناد دون المتن ، حيث إن علم الرجال ثمرة لجهود المتقدمين في نقد المرويات ، هذا بالنسبة إلى معرفة صدق الراوي وحفظه وضبطه .

أما معرفة خطئه ووهمه أو كذبه وافترائه فكأن يروي حديثًا يخالف المعروف عن شيخه أو عمن فوقه أو عن الصحابي أو عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو يخالف الواقع المعمول لدى الصحابة والذي يؤيده القرآن والسنة أو أن ينفرد في حديثه بشئ ليس له أصل عند شيخه ، أو عند من فوقه ، أو عند الصحابي أو عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يؤيده عمل الصحابي والتابعين .

فإن هذا النوع من المخالفة والتفرد دليل قاطع على خطأ الراوي ووهمه أو على كذبه ووضعه ، لأنه من كذب وافترى فمصيره أن يخالف الواقع أو أن ينفرد بما لا أصل له ، إذا أخطأ ووهم ، وبقدر وقوع المخالفة . والتفرد في أحاديث ، ونوعية كل منهما يقع تصنيف الرواة إما في الضعفاء أو المتروكين ، أو الكذابين

فمثلًا إذا كان الراوي من شأنه أن يأتي بأحاديث تخالف المعروف عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو الواقع الذي عمل الصحابة والتابعين ، أو أن ينفرد بأشياء لا يؤيدها القرآن ولا السنة ولا عمل الصحابة والتابعين فإن النقاد يشددون في حقه ، ولو كان معروفًا بالصلاح والعبادة (1) ، ويصفونه بأعنف التعابير والأوصاف ، لكن الإمام البخاري له ميزة خاصة في هذا المجال حيث إنه يضيف التجريح والتكذيب إلى من سبقه بل حتى إلى معاصره ، رغم أنه يعرف ذلك بالأدلة ، أو يصف بأوصاف لا تنم عن عنف وشدة مثل قوله: (( فيه نظر ) (( منكر ) (( تكلموا فيه ) )وهكذا ، كما لا حظنا في تاريخه الكبير . وأما إن كانت المخالفة والتفرد تظهران فيما يتعلق بأحاديث شيخه ورواياته أو من فوقه ، مع كونها معرفة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنهم لا يشددون في حقه بل يصفونه بأنه سهلة تدل على ذلك ، ومن هنا أصبح النقاد يملكون قدرة فائقة على معرفة مدى خطأ الرواة ووهمهم ، ونوعية ذلك الخطأ ، وأسابه وأوقاته ، ومواقعه ، كما هو مسجل في كتب التراجم .

وجدير بالذكر أن المخالفة والتفرد على الصور المذكورة هما المقصودان في مفاهيم الشاذ والمنكر ، وليس كل أنواع المخالفة والتفرد داخلة فيها ، فإن منها ما هو ناتج عن كثرة الضبط والإتقان ، وهذا النوع من المخالفة والتفرد لا يكون شاذًا ولا منكرًا ولا مردودًا بل يكون صحيحًا مقبولًا ، وإن كان ظاهر القول الذي ربط الشذوذ بهما ـ كقول الإمام الشافعي وغيره من الحجازيين بالنسبة إلى المخالفة ، وقول الحاكم والخليلي وغيرهما من سائر الحفاظ بالنسبة إلى التفرد ـ يوهم الإطلاق فيهما ، فإن الأمثلة التي ساقوها وقرائن أخرى (2) تؤكد ذلك الذي ذكرناه آنفًا .

وكذلك فإنما يستعان به من التفرد والمخالفة على كشف العلة في الأحاديث هو ذلك النوع الذي يدل على الخطأ والوهم ، ولذا قال ابن الصلاح ـ رحمه الله ـ في مبحث العلة: (( ويستعان على إدراك العلة بتفرد الراوي وبمخالفته غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك ، تنبه العارف بهذا الشأن على أنه خطأ ووهم ) ) (3)

الأمثلة:

ونسوق هنا بعض الأمثلة التوضيحية:

(1) مقدمة صحيح مسلم 1/94 .

(2) وقد حققنا ذلك في ضوء الأدلة والنصوص ، في كتابنا: الحديث المعلول ـ قواعد وضوابط ـ في مبحث الشاذ .

(3) مقدمة ابن الصلاح ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: 53 ( بتصرف قليل )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت