فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 36

والجدير بالذكر أن نقاد الحديث كانوا يتنزهون عن تداول الأحاديث المكذوبة ، والغرائب المنكرة الباطلة ، رواية أو كتابة ، حيث إن تداولها يعتبر مدعاة لطعن صاحبه ، وسقوط عدالته ، كما تشهد بذلك كتب التراجم ، ونسوق هنا بعض ما ورد في هذا المجال (1) .

يقول الأعمش: (( كانوا يكرهون غريب الحديث ، وغريب الكلام ) ).

وعن أبي يوسف: (( من طلب غرائب الحديث كذب ) ).

وقال أبو نعيم (( كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة سقط حديث في الغرائب ) ).

وقال عمرو بن خالد سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: (( ينبغي للرجل أن يتوقى راوية غريب الحديث ، فإني أعرف رجلًا كان يصلي في اليوم مائتي ركعة ما أفسده عند الناس إلا راوية غريب الحديث ) ).

ويقول شعبة: (( لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ ) ).

ويقول الإمام أحمد: (( تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم ، ولا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء ) ).

ويقول الخطيب: (( أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كتب الغريب دون المشهور وسماع المنكر دون المعروف والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجنيًا ، والثابت مصدوفًا عنه مطرحًا ، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم ، ونقصان عملهم بالتمييز ، وزهدهم في تعلمه ، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين الأعلام من أسرفنا الماضيين(2) .

وقال يزيد بن أبي حبيب: (( إذا سمعت بالحديث فانشده كما تنشد الضالة ، فإن عرف وإلا فدعه ) ).

فكراهتهم لرواية الأباطيل ، وطعنهم فيمن يشتغل بها أمر عادي ومشهور ، ومن ثم فلم تقع تلك الأباطيل في مروياتهم ولا في مسانيدهم ولا في مصنفاتهم ، إلا نادرًا ، وربما يرجع وقوعها إلى الغفلة والتساهل ، أو إلى تصرف أجنبي ، وربما يتعرضون لبعض المرويات المنكرة الباطلة لغرض القدح في أصحابها ، مثل ما يوجد في كتب الضعفاء ككتاب (( المجروحين ) )لابن حبان ، وكتاب (( الضعفاء ) )ااعقيلي ، وكتاب (( الكامل ) )لابن عدي ، وكتاب (( الميزان ) )للذهبي .

وقد أجاد الحافظ ابن حبان في كتابه (( المجروحين ) )إذ فصل ذلك في تراجم المتروكين: قال ابن حبان في ترجمة عمر بن راشد القرشي: (( يضع الحديث على مالك وابن أبي ذئب وغيرهما من الثقات ، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه ، فكيف الرواية عنه ؟ ) ) (3) .

وقال في ترجمة عثمان بن معاوية: (( يروي عن ثابت البناني الأشياء الموضوعة التي لم يحدث بها ثابت قط ، لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل القدح فيه ) ) (4) .

وقال في ترجمة حبيب بن أبي حبيب الخرططي: لا تحل كتابة حديثة ولا الرواية عنه إلا على سبيل القدح فقه )) (5) .

وذات يوم رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس ، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه ، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس ، وتعلم أنها موضوعة . فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه ؟ قال: رحمك الله يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها ، وأعلم أنها موضوعة ، حتى لا يجئ إنسان بعده ، ويجعل بدل (( أبان ) ) (( ثابتًا ) )ويرويها: (( عن معمر عن ثابت عن أسن ) )، فأقول له: كذبت ، إنما هي أبان لا ثابت (6) .

بل إن من النقاد من سارع إلى إحراق ما كتبوا من الأحاديث الموضوعة ، والباطلة ، أو إلى تمزيقها بعد تأكدهم من وضعها وبطلانها ، وبعد استفادتهم منها معرفة الوضاعين والكذابين والمتهمين .

وما ورد عن الإمام يحيى بن معين في هذا الصدد مشهور ، فقال قال هو: (( كتبن عن الكذابين وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزًا نضيجًا(7 ) ).

وقال الإمام أحمد: (( تركنا حديث عمر بن حفص العبدي ، وخرقناه ) ) (8) .

وقال الإمام مسلم: (( فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ) ) (9) .

ومن ثم كثر إطلاقهم لعبارات مثل: (( فلان متروك الحديث ) (( فلان لا يكتب حديثه ) ). وفعلًا فإن النقاد قد تركوا أحاديث المتهمين والكذابين ، ولم يشتغلوا بها ، لا روياة ولا كتابة ، بل إنهم طعنوا فيمن يهتم بجمعها وحفظها ورواتها ، ولهذا لم تقع تلك الموضوعات والأباطيل في كتبهم ومسانيدهم ومصنفاتهم ، إلا نادرًا جدًا ، ولعل ذلك يرجع إلى غفلة بعضهم وتساهلهم أو تعرضها لتصرفات الغير ، كما وقع في مسند الإمام أحمد . لقد زاد فيه الأحاديث كل من عبد الله بن أحمد ، وتلميذه أبي بكر القطيعي ، فظهرت فيها معظم الموضوعات التي لوحظت في المسند ، وكذلك وجدت الموضوعات في جملة من الأحاديث التي أمر الإمام أحمد ابننه عبد الله بالضرب عليها ، فضرب عليها عبد الله ، في حين نسي جملة منها .

ومن أمعن النظر في كافة المصادر الحديثية التي صنفها المحدثون المتقدمون يتبين له جليًا أنه جميعًا متفقة على تجنب الموضوعات والأباطيل ، وأحاديث المتهمين المتفق على تركهم .

بيد أن فيهم من التزم بصحيح أحاديث الثقات ، ولم يحيدوا عنها إلا لأغراض علمية وفوائد إسنادية ، وتمثل هذا النوع كتب الصحاح ، وفيهم من قطع على نفسه أن لا يورد في كتبه سوى ما رواه الثقات من شيوخه ، سواء كان متصلًا أو منقطعًا ، ويدخل في هذه الدائرة الموطأ ، وفيهم من وسع شرطه بأن لا يروي عن الكذابين والمتروكين عند الجميع ، وذلك أسلوب السنن والمسانيد والمصنفات ، مع تفاوت مراتبها ، حيث فيها ما تولى بيان العلل والوهن الشديد ، كسنن أبي داود ، وسنن النسائي ، في حين يبين الترمذي درجات الأحاديث كلها صحة وضعفًا .

وعلى كل فإن الأئمة النقاد على التزامهم بترك رواية الوضاعين والكذابين عمومًا ، بينما تساهل الآخرين من غير الحفاظ في جمع الموضوعات والغرائب والأباطيل وكتابتها وروايتها ، ومن ثم أصبحت كتب التفاسير والسير والفضائل تفيض بالمنكرات والمفتريات ، مما جعل الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: (( ثلاثة علوم لا أصل لها: التفسير والتاريخ والملاحم ) ).

وإذا كان المحدثون النقاد قد اتفقوا فعلًا على ترك الموضوعات ـ رواية أو كتابة ـ واعتبروا تداولها ناقضًا للعدالة ، فإن ذلك دليل واضح على مدى تيقظهم في هذه الجوانب ـ وترصدهم لها ، ودقة نظرهم ، ونزاهة منهجهم ، ويزيدك عجبًا أنهم قد استطاعوا كشف الأحاديث الموضوعة التي دست في مرويات بعض الأئمة ، أو كتبهم أو صحفهم دون شعورهم بذلك .

علمًا بأنهم لم يتجنبوا تداول الموضوعات إلا بعد الاستفادة منها بمعرفة أصحابها وتحديد هويتهم بدقة بالغة ، بحيث لم ينفلت أحد منهم ، ولم يلتبس بأسماء المقبولين من الرواة ، وكان جهدهم ذاك هو الأساس عينة للإمام الجوزقاني وابن الجوزي في تأليف كتابيهما ـ (( الأباطيل ) (( الموضوعات ) ).

وأما إهمالهم لبيان الوضع فيه والكذب بشكل منهجي ، وبصورة مفصلة ، مثل ما خاضوا في ذكر علل الأحاديث ، فلم يكن نيجة تهاونهم في تقدير خطورة آثار الوضع فيها ، ولا نتيجة عجزهم في الكشف عنه ، وفضح دوافعه ، ولا نتيجة انشغالهم بالشكليات ، كما خيل إلأى الكثيرين ، وإنما لسهولة الأمر في تمييز المفتريات عن طريق أمارتها التي لا تكون خفية على طالب عادي ، سيما بعد شهرة الكذابين والمغرضين والمنتحلين بأسمائهم وألقابهم فإذا تفرد أحد من هؤلاء بشئ يخالف العقل أو الأصول الثلاثة ـ الكتاب والسنة والإجماع ـ مخالفة صريحة ، أو يتضمن ركة في المعنى ومخالفة في الموضوع لا يتناسبان ووأسلوب العقلاء فلا يشك أحد عنده شئ من العلوم الشرعية ، في وضعه وكذبه .

فلما كانت الموضوعات تخضع للقواعد الكلية ، وتضبطها الضوابط العامة ، وصار كشف الوضع عن طريقها أمرًا ميسرًا يكون في متناول الجميع دون عناء وتعب استغنى النقاد عن ذكر تلك الموضوعات حديثًا حديثًا ، وبيان وضعها ، واكتفوا بإشهار أصحابها رجلًا رجلًا ، وتحديد هويتهم بطرق شتى . وذلك بعد اتخاذهم من الاحتياطات اللازمة ما يضمن لهم حفظ السنة من الكذابين والنتحلين

بيد أن النقاد صرفوا عنايتهم البالغة إلى جوانب أخرى ، حيث كانت تفرض عليهم ذلك ، لما فيها من غموض وجفاء ، ألا وهي أخطاء الثقات وأواهام الضعفاء غير المتروكين ، لأن كشفها لا يخضع القاعدة كلية ، ولا يضبطها ضابط مطرد ، كما هو الحال في الموضوعات . وإنما يحتاج إلى ذوق حديثي خاص ، ولهذا انصبت عنايتهم على هذا المجال ، وعلى الخوض في كشف أخطائهم وأوهامهم وظهرت في ذلك كتب كثيرة .

وبما أن الصدق والأمانة من شيم الرواة الثقات والضعفاء المقبولين فإن أكثر ما يقع منهم من الأخطاء والأوهام تكون من جملة وصل المرسل ، أو إرسال الموصول ، أو رفع الموقوف ، أو وقف المرفوع ، أو القلب في الإسناد أو المتن ، أو الإدراج فيهما ، أو التصحيف . ومن ثم فإن هذه الأنواع هي بذاتها تشكل المواد العلمية الرئيسية في كتب العلل عمومًا ، مما جعل الكثيرين يتوهمون أن المتون لم تكن محل اهتما المحدثين النقاد ونقدهم الدقيق ، وإنما كان تركيزهم على جوانب إسنادية وصار انشغالهم فيما يتصل بها من الأمور الشكلية .

(1) أورده ابن رجب في شرح العلل . ص: 234ـ236 .

(2) المقصود بالغريب والشاذ الذين وقعا في هذه النصوص لم يكن بالمعنى المتعارف لدى المتأخرين ، وهو يقصدون بهما الأباطيل ، وإلا فكيف يفسر قول شعبة (( لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ ) )؟ .

(3) المجروحين 2/93 .

(4) نفس المصدر 2/97 .

(5) نفس المصدر 1/265 .

(6) د المصدر 1/31ـ32 .

(7) تاريخ بغداد 14/184 .

(8) ميزان الاعتدال للذهبي 3/189 .

(9) مقدمة صحيح مسلم 1/55 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت