ومن تتبع البحوث العلمية في مجال علوم الحديث تخريجًا وتحقيقًا ، وتصحيحًا وتحسينًا وتضعيفًا ، وأمعن النظر في محتواها يعتريه ـ من دون شك ـ شعور قوي بأن المرحلة التي تمر بها السنة النبوية حاليًا تسودها الفوضى واللامبالاة في غياب منهج علمي أساسه الذوق الحديثي ، الذي يكون ثمرة لممارسة طويلة وجهود مضنية في البحث والتقصي في هذا العلم الشريف ، بعكس ما يلاحظ في المرحلتين الماضيتين أي مرحلة الراوية وما بعد الراوية ، مما يثير الخوف والقلق على مصير هذا العلم الدقيق خاصة إذا ما استمرت هذه المظاهر السيئة ، لأنها تتسبب في بقاء المعالم الحقيقية لمنهج نقاد الحديث في كشف أوهام الرواة وفضح افتراءات المغرضين مجهولة ، وتترك حولها غموضًا كثيفًا ، وهذا دون شك يتيح فرصًا سانحة لأعداء السنة في توجيه التهم نحو المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي ، والتقليل من جهود جهابذة الحديث في حفظها وصيانتها من الكذب وفي تنقيتها من شوائب المغرضين وكذا في حمايتها من وهم وغلط الحفاظ المتقنين .
والذي نشاهد اليوم كثيرًا من قبل المعاصرين أنهم عندنا يقحمون أنفسهم في ميدان الدراسات الإسنادية والحديثية ، دون بضاعة حديثية أو تأهل علمي ، ربما اغتروا بما لديهم من مواهب علمية أخرى ، فراحوا في إطار فكرة التجديد والتغيير ، يضعفون ما شاؤوا من الأحاديث خاصة الأحاديث المتشابهة والغيبيات ، حتى وإن صححها الشيخان البخاري ومسلم ، وتلقنها الأمة بالقبول ، ولعل ذلك راجع إلى مخالفتها لعقولهم أو لما فهموه من القرآن ، دون الاستناد إلى منهج علمي متين قوامه المعرفة الحديثية والفهم الدقيق لكتاب الله تعالى ، ثم تراهم يتهمون المحدثين بالعجز في اكتشاف الكذب والخطأ في المتون وإهمالها لولوعهم ـ حسب زعمهم ـ بنقد الرواة وسلسلة الأسانيد ، كما ينادون إلى ضرورة محاكمة الأحاديث إلى القرآن أو العقل ، وربما يستدلون على ذلك بما نقل عن بعض الصحابة بما يوهم ظاهره ما ذهبوا إليه ، هذا من جهة .
ومن جهة أخرى إن كثيرًا من المشتغلين بالأحاديث يتسابقون إلى تخريجها أو تحقيق مصادرها يوقومون بتصحيحها أو تعليلها بصورة توهم أن علم الحديث أمور رياضية تقوم على حسابات خاصة واعتارات محددة تقاس على جميع الأحاديث فيقولون هذا صحيح لأن رجاله ثقات ، وهذا حسن لذاته لكون راويه صدوقًا ، وهذا ضعيف لضعف راويه ، وفي حالة وجود متابعة أو شاهد يقولون: تقوى هذا الحديث فأصبح صحيحًا لغيره أو حسنًا لغيره ، وهكذا تحول التصحيح والتحسين والتضعيف أمرًا سهلًا يتأهل الجميع لتناوله بمجرد التعرف على هذه الطريقة ، وحفظ القواعد من كتب مصطلح الحديث ، بل إنهم لا يبالون بما قد يصادفهم أثناء بحوثهم من تعليل النقاد أو تصحيحهم ، فيرفضونه بمنتهى البساطة لخروجه من التقديرات التي تقيدوا بها ، فعلى سبيل المثال: يعل النقاد حديثًا من مرويات ثقة بحجة تفرده به ، أو زيادته ، أو مخالفته لغيره ، فيأتي بعض المعاصرين ويقول: كلا إنه صحيح ورواته ثقات ، ولا يضر التفرد هنا أو لا تضر الزيادة لأن صاحبها ثقة ، وإذا صحح النقاد حديثًا من مرويات راو ضعيف أو من مرويات المدلس الذي عنعن فيه ، فيقول المعاصر: (( كلا: إن الحديث ضعيف لأن في سنده راويًا ضعيفًا ، أو عنعنة المدلس . كما هو مقرر في كتب المصطلح ) ).
وهكذا تتسم دراساتهم وأطروحاتهم بالسطحيات ، بل يؤسفنا كثيرًا أن ترى بعض الأساتذة يفرضون على طلبة الكتاب والسنة هذه الطريقة السطحية ، وحتى إن أحد الشيوخ في جامعة إسلامية مشهورة تجرأ وقال: (( ولو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا ـ في نظري ـ النتائج التي توصلت إليه لأني بحمد الله طبقت قواعد المحدثين بكل دقة ، ولك آل في ذلك جهدًا ) ). متخذًا ذلك وسيلة لرفض كلام النقاد الجهابذة .
فمن المحدثون عنده بعد الإمام البخاري وغيره من العباقرة يا ترى ؟ وما هذه الإ صورة واضحة للخلط بين المناهج المختلفة وأصحابها كما أوضحنا .
أما مجال التحقيقات التي ينال فيها البعض كسبًا رابحًا فلم تكن الجهود فيها التي يبذلها الكثيرون مما يخدم هذا العلم لعدم احترامهم قواعد التحقيق والتوثيق التي أبدعها أئمة الحديث في المرحلة الثانية ، ومن أهمها تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه ، وتقييم محتواه من خلال التركيز في الدراسة الخارجية والدراسة الداخلية ، وربما يقومون بالأولى من خلال النظر في السماعات والإجازات المسجلة في غلاف النسخة ، لكنهم يهملون الثانية في الوقت ذاته ، فبمجرد نسبة الكتاب إلى مؤلفه الإمام يندفع إلى الاعتماد عليه ، وقبوله دون نظر أو تأمل ، إن أي سعي في سبيل تقييم محتوى الكتاب من الأمور الضرورية ، لأنه يقدم توضيحات علمية هامة ، عن مدى صحة مضامينه ، ومتى أله صاحبه ، وهل هو من أوائل تأليفاته ؟ ، وهل كتبه كمذكرة لينتفع بها شخصيًا أو لتنمية موهبته العلمية ؟ وهكذا … وعليه فبإهمال هذا الجانب تضيع فائدة التحقيق عمومًا .
ولئن كان كثيرًا من المحققين الذين برزوا في علوم الحديث يبادرون إلى الخوض في مجال التصنيف على سبيل التدريب المجرد ، فإننا نجد بعضهم بعد أن تمكنوا من العلم وصاروا أئمة بارزين فيه يتراجعون عن أوائل تأليفاتهم التي لم يستهدفوا بها إلا النفع الذاتي .
وعلى سبيل المثال: يقول الإمام الذهبي: (( كتاب مستدرك الحاكم كتاب مفيد وقد اختصرته ويعوز عملًا تحريرًا ) ) (1) . ورغم ذلك فإننا نرجع إلى تلخيصه مقدرين قيمته العلمية باعتبار شخصيته مؤلفه الحافظ الذهبي: وتقول: (( صححه الحاكم وأقره الذهبي ) ).
ويقول الحافظ: (( لست راضيًا عن شئ من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الأمر ثم لم يتسن لي تحريرها سوى (( شرح البخاري ) ) (( ومقدمته ) ) (( والمشتبه ) ) (( والتهذيب ) ) (( ولسان الميزان ) )، وأما سائر المجموعات فهي كثيرة العدد واهية العدد ضعيفة القوى خافية الرؤى (2) .
هذه بعض المظاهر السلبية التي تطغى على إيجابيات المرحلة الجديدة التي تمر بها السنة النبوية اليوم في ظل القطيعة مع مناهج المتقدمين في نقد الروايات ، وقواعد علوم الحديث المطبقة عندهم ، ولعل سببها ـ كما حققنا سابقًا ـ يعود على الاتكال على كتب المصطلح التي صدرت في مرحلة ما بعد الراوية ، والتي تميزت بتركيزها في جانب المصطلحات وتعاريفها ، حيث أخفقت في الجوانب الأساسية التي من شأنها إبراز الواقع العلمي للتطبيقات العلمية لنقاد الحديث ، حتى إن علوم الحديث التي تداولها الإمام البخاري وغيره من فرسان الحديث أصبحت مجهولة ، وقواعدها غير واضحة ، ومصطلحاتها المستخدمة في النقد غير مفهومة مما دفع إلى التباس مناهج المتقدمين والمتأخرين واختلاط الأصول والفروع بحيث إنها تتمحض عن تلك المظاهر السلبية التي نشاهدها اليوم .
والذي يتراءى لنا من علاجها أنه يجب إبراز منهج المتقدمين النقدة في تصحيح الأحاديث وتعليلها ، كما يجب علينا كشف الغطاء عن الوجه الحقيقي لمحتويات علوم الحديث عند المتقدمين .
القسم الثاني
وهو مخصص لإبراز علوم الحديث عند المتقدمين من خلال آثارهم العلمية فكانت المباحث التالية:
محتوى علوم الحديث عند المتقدمين .
أ - الجانب الفقهي .
ب - الجانب النقدي .
إسقاط النقاد لبيان بيانًا مفصلًا ونشاطهم في الكشف عن العلل .
النقد الداخلي والخارجي ومجالهما .
مدى فعالية محاكمة الأحاديث إلى القرآن والمعقل .
منهج التصحيح والتعليل عند المتقدمين .
(1) سير أعلام النبلاء 17/167 .
(2) فهرس الفهارس 1/337 للكتاني ، وقد قرأت النص في المعجم النفهرس للحافظ ابن حجر ، المخطوط في مكتبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة .