ومن هنا أصبح تعريف علوم الحديث الذي وضعه بعض المتأخرين مثل الشيخ (( عز الدين بن جماعة والحفظ بن حجر ) ) (1) غير متضمن للجوانب الفقهية ، وكذا حسب تقسيم ابن الأكفاني ـ أحد أطباء مصر وحكمائه ـ لهذا إلى علم الحديث الخاص بالراوية وعلم الخاص بالدراية (2) لم يكن شاملًا للجانب الفقهي بشكل واضح ولا مراعيًا لتلك الأهمية التي أولاها المتقدمون لذلك ، وقد قبل الناس بعده هذا التقسيم ، وهم وإن اضطربوا في تعريف كل قسم منهما إلا أنهم يكادون يتفقون على إهمال ذكر الفقه ، بيد أن صاحب كشف الظنون قد أجاد حين قال: (( علم الحديث ينقسم إلى العلم برواية الحديث وهو علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول عليه الصلاة والسلام منن حيث أحوال رواته ضبطًا وعدالة ومن حيث كيفية السند اتصالًا وانقطاعًا وغير ذلك ، وقد اشتهر بأصول الحديث ، وإلى العلم بدراية الحديث وهو علم باحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث وعن المراد منها مبنيًا على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقًا لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم(3) .
وجدير بالذكر أن الجوانب الفقهية ، ومعرفة الصحيح والسقيم لم تكن محل عناية عند كافة المحدثين في المرحلة الأولى ، بل إن الكثيرين منهم لا تهمهم إلا عملية الراوية وضبطها وحفظها ، غير أن هؤلاء كفوا عن الخوض في نقد الأحاديث ، وأما النقاد فيختلفون عنهم في التكوين العلمي بصورة واضحة ، وحفاظ الحديث الذين تمكنوا من علوم الحديث بشقيها ـ فقه الحديث ، ومعرفة الصحيح والسقيم ـ هم وحدهم الذين سبروا أغوار النقد ، وهم بعينهم محل اعتبارنا في البحث . وإن تصحيح الأحاديث وتعليلها لا يتأتى لأحد دون التكوين العلمي المزدوج كما نوضح ذلك قريبًا .
وعلى كل فإن علوم الحديث عند المتقدمين تضم الجوانب الفقهية بقدر ما تضم معرفة الصحيح والسقيم ، وإنهم كانوا يولون أهمية بالغة للفقه كما يظهر ذلك جليًا من نصوصهم وأعمالهم العلمية ، وخاصة صحيح الإمام البخاري ، وفي ضوء هذا فإن الاتهامات الموجهة إلى نقاد الحديث أمثال الإمام البخاري من نقص الفقه فهي نتيجة للغموض في محتويات علوم الحديث ، ويأتي ـ إن شاء الله ـ في سياق حديثنا أن التفقه أمر ضروري للقيام بنقد الأحاديث .
(1) نقلهما السيوطي في مقدمته لتدريب الراوي 1/41 .
(2) نفسد المصدر .
(3) مقدمة تحفة الأحوذي ص: 2 .