هذه النصوص القرآنية ، بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين. خلصتها من رواسب الجاهلية. هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب. وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى .. كانوا يرون فيها النار التي حدثهم اللّه عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء. فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال! من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال: لما نزلت: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا» .. الآية .. انطلق من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشي ء ، فيحبس له ، حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأنزل اللّه: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى . قُلْ: إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ .. «الآية» فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم ..
وكذلك رفع المنهج القرآني هذه الضمائر ، إلى ذلك الأفق الوضيء وطهرها من غبش الجاهلية ذلك التطهير العجيب .. [1]
أشدُّ الناس عذابا يوم القيامة المصورون الذين يضاهئون خلق الله ،فعن عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قالت: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِى عَلَى سَهْوَةٍ لِى فِيهَا تَمَاثِيلُ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَتَكَهُ وَقَالَ « أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ » . قَالَتْ فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ [2] . -يضاهون: يشابهون
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِى الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ ، وَقَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ » [3] .
(1) -فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 588)
(2) - صحيح البخارى (5954 )
(3) - صحيح البخارى (6109 )