فَهَؤُلاءِ المَعْذُورُونَ قَدْ يَتَجَاوَزُ اللهُ عَنْهُمْ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الكُفْرِ ، وَاللهُ كَثيرُ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ [1] .
أنزل الله الشريعة ليقوم الناس بالقسط ، وأمر الله عباده بالعدل ، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90) [النحل/90] )
إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي كِتَابِهِ الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ ، وَيَنْدُبُ إِلَى الإِحْسَانِ وَالفَضْلِ ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحْمِ وَإِعْطَاءِ ذَوِي القُرْبَى مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ ، وَيَنْهَى عَنِ ارْتِكَابِ المُحَرَّمَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَالفَوَاحِشِ ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، مِمَّا يَأْتِيهِ العَبْدُ سِرًّا وَخِفْيَةً وَاللهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالخَيْرِ ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَالشَّرِّ ، لَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرُونَ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ فِي الفِطْرَةِ مِنْ وَحْيٍ قَوِيمٍ أَصِيلٍ ، فَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ . [2]
فما في القرآن الكريم كله ، هو دعوة إلى العدل والإحسان وإيتاء ذى القربى ، ونهى عن الفحشاء ، والمنكر والبغي ..فالعدل هو القيام على طريق الحق في كل أمر .. فمن أقام وجوده على العدل استقام على طريق مستقيم ، فلم ينحرف عنه أبدا ، ولم تتفرق به السبل إلى غايات الخير ..
ومن أتبع العدل بالإحسان ، انما الخير في يده ، وطابت مغارسه التي يغرسها في منابت العدل ..
وقد جاء الأمر بالعدل والإحسان مطلقا ، ليحتوى العدل كله ، ويشمل الإحسان جميعه .. فهو عدل عام شامل .. حيث يعدل الإنسان مع نفسه ، فلا يجوز عليها بإلقائها في التهلكة ، وسوقها في مواقع الإثم والضلال .. ويعدل مع الناس فلا يعتدى على حقوقهم ، ولا يمدّ يده إلى ما ليس له. ويعدل مع خالقه ، فلا يجحد فضله ، ولا يكفر بنعمه ، ولا ينكر وجوده وقيّومته عليه ، وعلى كل موجود ..
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 592) ، وانظر كتابي ( المفصل في أحكام الهجرة ) صيد الفوائد
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1991)