المبحث السابع عشر
في طعام أهل النار
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) [البقرة/174، 175] )
يَقُولُ تَعَالَى إِنَّ الذِينَ يُخْفُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ عَلَى رُسُلِهِ ، أَوْ يُؤَوِّلُونَهُ أَوْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَضَعُونَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، بِرَأْيِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ ، فِي مُقَابِلِ الثَّمَنِ الحَقِيرِ مِنْ حُطَامِ الدُّنيا ، كَالرَّشْوَةِ عَلَى ذلِكَ ، وَالجُعْلِ ( الأجْرِ عَلَى الفَتَاوَى البَاطِلَةِ ) وَنَحْوِ ذَلِكَ . . . وَالذِينَ يَكْتُمُونَ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ( وَهُمُ اليَهُودُ ) ، وَعَنْ رِسَالَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ لِئَلاَ تَذْهَبَ زَعَامَاتِِهِمْ ، وَرِيَاسَاتُهُمْ إِنْ صَدَّقُوا مُحَمَّدًا ، وَآمَنُوا بِهِ ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ ، وَلِئَلاَّ يَخْسَرُوا مَا كَانَ يَصِلُ إِليهِمْ مِنْ أَموالٍ وَهَدَايَا ، وَهُوَ شَيءٌ تَافِهٌ يَسِيرٌ إِذا مَا قُورِنَ بِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ جَزيلِ الثَّوَابِ . . فَهؤُلاءِ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابِلِ كِتْمَانِ الحَقِّ نَارًا تَتَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَومَ القِيَامَةِ ، وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لغَضَبِهِ عَلَيهِمْ ، وَلاَ يُزَكِّيهم ، وَلا يَمْدَحُهُمْ وَلا يُثْنِي عَلَيهِمْ ، وَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .
وَقِيلَ أَيْضًا في تَفْسِيرِ: مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ: إِنَّهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَنِهِ إِلاَّ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِهِمْ نَارَ جَهَنَّمَ .
وقال تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ* لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ) {الغاشية:6-7} .والضريع:نوعٌ من الشوك لا تأكله الدوابُّ لخبثه.
وَإِذَا طَلَبُوا الطَّعَامَ جَيئَ لَهُمْ بِالضَّرِيعِ ، وَهُوَ نَبَاتٌ كَالشَّوْكِ مُرٌّ مُنْتِنٌ ، لاَ يُشْبعُ مِنْ جُوعٍ ، وَلاَ يُسْمِنُ.وَعَرَّفَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الضَّرِيعَ بِأَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِيهِ ، وَلاَ فَائِدَةَ مِنْهُ ، فَهُوَ لاَ يُسْمِنُ ، وَلاَ يُغْنِي ، وَلاَ يُشْبعُ مِنْ جُوعٍ .