فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 346

فَرِيق أَنَّهُ الْمُحِقّ ، وَمُخَالِفه بَاغٍ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِتَاله لِيَرْجِع إِلَى أَمْر اللَّه . وَكَانَ بَعْضهمْ مُصِيبًا ، وَبَعْضهمْ مُخْطِئًا مَعْذُورًا فِي الْخَطَأ ؛ لِأَنَّهُ لِاجْتِهَادٍ ، وَالْمُجْتَهِد إِذَا أَخْطَأَ لَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَكَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هُوَ الْمُحِقّ الْمُصِيب فِي تِلْك الْحُرُوب . هَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة ، وَكَانَتْ الْقَضَايَا مُشْتَبِهَة حَتَّى إِنَّ جَمَاعَة مِنَ الصَّحَابَة تَحَيَّرُوا فِيهَا فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا ، وَلَمْ يَتَيَقَّنُوا الصَّوَاب ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا عَنْ مُسَاعَدَته مِنْهُمْ [1] .

أكلة الربا :

من الذنوب التي توبق صاحبها الربا ، وقد قال الحق في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275) [البقرة/275] )

بَعْدَ أنْ ذَكَر اللهُ تَعَالَى الإِنفَاقَ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَالتَّصَدُّقَ عَلَى عِبَادِهِ ، وَإخْراجَ الزَّكَاةِ ، شَرَعَ فِي عَرْضِ حَالِ أكِلِي الرِّبا ، وَأمْوالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ ، وَأَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ ، فَأخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ ، فَقَالَ عَنْهُم: إنَّهُم لاَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلاّ قِيامًا مُنْكَرًا ، كَمَا يَقُومُ المَصْرُوعُ حَالَ صَرَعِهِ وَأكْلُهُمُ الرِّبَا هَذا قائِمٌ عَلى اسْتِحلاَلِهِمْ لَهُ ، وَجَعْلِهِ كَالبَيْعِ ، فَيَقُولُونَ: كَمَا يَجُوزُ أنْ يَبيعَ الإِنْسَانُ سِلعَتَهُ التِي ثَمَنُهَا عَشَرَةُ دَراهِمَ عَلَى أنْ يَرُدَّهَا عَلَيهِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا بَعْدَ سَنَةٍ ، فَالسَّبَبُ فِي رَأيِهِمْ وَاحِدٌ فِي كُلٍّ مِنَ الزِّيَادَتَيْنِ ، وَهُوَ الأجَلُ .

هَذِهِ هِيَ حُجَّةُ آكِلِي الرِّبا وَهُمْ وَاهِمُونَ فِيمَا قَالُوهُ ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ، لأنَّ البَيْعَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي حِلَّهُ لأَنَّهُ يُلاحَظُ فِيهِ انْتِفاعُ المُشْتَرِي بِالشَّيْءِ انْتِفَاعًا حَقِيقيًّا .

أمَّا الرِّبا فَهُوَ إعْطَاءُ الدَّراهِم وَالْمِثْلِيَّاتِ وَأخْذُها مُضَاعَفَةً فِي وَقْتٍ آخَرَ . فَمَا يُؤخَذُ مِنَ المَدِينِ زِيَادَةً في رَأسِ المَالِ لاَ مُقَابِلَ لَهُ مِنْ عَيْنٍ وَلاَ عَمَل . فَمَنْ بَلَغَهُ نَهْيُ اللهِ عَنِ الرِّبا ، فَانْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ مَا سَلَفَ مِمَّا أكَلَهُ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيم ، وَمَا سَبَقَ لَهُ أنْ أخَذَهُ أَيَّامَ

(1) - شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 265)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت