الدمار! واللّه يريد أن يرحم الذين آمنوا من هذه المقتلة المدمرة للحياة ، المردية للنفوس وهذا طرف من إرادة التخفيف عنهم ومن تدارك ضعفهم الإنساني ، الذي يرديهم حين يتخلون عن توجيه اللّه ، إلى توجيه الذين يريدون لهم أن يتبعوا الشهوات! ويلي ذلك التهديد بعذاب الآخرة ، تهديد الذين يأكلون الأموال بينهم بالباطل ، معتدين ظالمين ، تهديدهم بعذاب الآخرة بعد تحذيرهم من مقتلة الحياة الدنيا ودمارها. الآكل فيهم والمأكول فالجماعة كلها متضامنة في التبعة ومتى تركت الأوضاع المعتدية الظالمة ، التي تؤكل فيها الأموال بالباطل تروج فيها فقد حقت عليها كلمة اللّه في الدنيا والآخرة: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا ، فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» .
وهكذا يأخذ المنهج الإسلامي على النفس أقطارها - في الدنيا والآخرة - وهو يشرع لها ويوجهها ويقيم من النفس حارسا حذرا يقظا على تلبية التوجيه ، وتنفيذ التشريع ويقيم من الجماعة بعضها على بعض رقيبا لأنها كلها مسؤولة وكلها نصيبها المقتلة والدمار في الدنيا ، وكلها تحاسب في الآخرة على إهمالها وترك الأوضاع الباطلة تعيش فيها .. «وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» فما يمنع منه مانع ، ولا يحول دونه حائل ، ولا يتخلف ، متى وجدت أسبابه ، عن الوقوع! [1]
ومن أكل أموال الناس بالباطل أكل أموال اليتامى ظلما ، وقد خص الحق أموالهم بالذكر لضعفهم وسهولة أكل أموالهم ، ولشناعة هذه الجريمة: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا(10) [النساء/10] )
يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى بِدُونِ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ ، وَعَلَى سَبِيلِ الهَضْمِ وَالظُّلْمِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَكُون سَبَبًا فِي إِيصَالِهِمْ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ ، أَوْ إنَّهُمْ إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا تَتَأجَّجُ
إن هذا المال .. نار .. وإنهم ليأكلون هذه النار. وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود.هي النار من باطن وظاهر. هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود ، وحتى لتكاد تراها العيون ، وهي تشوي البطون والجلود! ولقد فعلت
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 639)