مشاركة سادتهم لهم في العذاب ، بعض العزاء لهم ، وإن كان هذا لا يخفف من العذاب الذي هم فيه شيئا. [1]
لقد قضت مشيئة اللّه في خلقة الإنسان ذلك. واقتضت أنه حين يغفل قلبه عن ذكر اللّه يجد الشيطان طريقه إليه ، فيلزمه ، ويصبح له قرين سوء يوسوس له ، ويزين له السوء. وهذا الشرط وجوابه هنا في الآية يعبران عن هذه المشيئة الكلية الثابتة ، التي تتحقق معها النتيجة بمجرد تحقق السبب ، كما قضاه اللّه في علمه.ووظيفة قرناء السوء من الشياطين أن يصدوا قرناءهم عن سبيل اللّه ، بينما هؤلاء يحسبون أنهم مهتدون: «وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» ..
وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين. أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه يفيق ، أو يتبين الضلال فيثوب ، إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم.
والتعبير بالفعل المضارع: «لَيَصُدُّونَهُمْ» .. «وَيَحْسَبُونَ» .. يصور العملية قائمة مستمرة معروضة للأنظار يراها الآخرون ، ولا يراها الضالون السائرون إلى الفخ وهم لا يشعرون.
ثم تفاجئهم النهاية وهم سادرون: «حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ. فَبِئْسَ الْقَرِينُ» ! وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا إلى الآخرة. ويطوى شريط الحياة السادرة ، ويصل العمي (الذين يعشون عن ذكر الرحمن) إلى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار. هنا يفيقون كما يفيق المخمور ، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال وينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال ، وأوهمه أنه الهدى!
وقاده في طريق الهلاك ، وهو يلوح له بالسلامة! ينظر إليه في حنق يقول: «يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ» ! يا ليته لم يكن بيننا لقاء. على هذا البعد السحيق! ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله: «فَبِئْسَ الْقَرِينُ» ! ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع: « وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ» !
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 131)