وقوله تعالى: « يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ » ـ هو بيان لما في نفس هذا الضال الذي عشى عن ذكر الرحمن ، وأصبح من قرناء الشيطان ـ من ضيق بصاحبه ، ومن حسرة وندم على تلك الصلة التي كانت بينهما ، والتي أوقعته فيما هو فيه اليوم من بلاء وعذاب .. ولهذا فهو يتمنى أن لو لم يجمعهما فلك ، وأن لو كان كلّ منهما في عالم غير العالم الذي يعيش فيه صاحبه ..
فقوله تعالى: « بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ » ـ إشارة إلى استحالة الالتقاء بينهما ، كما يستحيل التقاء مشرق الشمس شتاء بمشرقها صيفا .. مثلا ..
وأما قوله تعالى: « وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » ـ فهو اعتراض بين الآيتين ، يراد به الإلفات إلى أن الحكم الذي يقع على الواحد من أتباع الشيطان ، هو حكم عام يشمل أتباع الشياطين جميعا ، وأنهم كلهم قرناء سوء ، كلما كثرت أعدادهم زاد إغواؤهم ، وإضلال بعضهم بعضا ، حيث تشتد داعية الإغراء والإغواء ، كلما كثرت الأعداد المتزاحمة على موارد الغواية والضلال.
قوله تعالى: « وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ » . الخطاب هنا للفريقين .. التابعين والمتبوعين .. إنه لن ينفعهم اشتراكهم جميعا في العذاب .. ولن يشفى ما بصدور الضالين من نقمة وحنق على من كانوا سببا في إغوائهم وإضلالهم ـ أن يلقى هؤلاء المغوون ما يلقون من عذاب وبلاء .. وفى هذا يقول اللّه تعالى على لسان التابعين ، وهم يطلبون مزيدا من العذاب لمن كانوا سببا في فتنتهم وبلائهم: « قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ » فيجيبهم سبحانه بقوله: « قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ » (38: الأعراف) ويقول سبحانه على لسان أئمة الكفر ، ودعاة الضلال ، وهم يردّون على أتباعهم الذين يتمنون لهم عذابا فوق العذاب: « إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ » (48: غافر) .
فالمراد بقوله تعالى: « وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ » ليس نفى مجرد النفع ، وإنما المراد به النفع الذي يخلصهم من هذا العذاب ، ويخرجهم من هذا البلاء .. إذ لا شك أن في رؤية التابعين