والقول الثّاني ويسمّيه الشّافعيّة قول السّحب ، وهو أن تجعل أيّام الدّم ، وأيّام الطّهر كلّها أيّام حيض . وذلك بشروط ذكروها ، وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: ( تلفيق ) .
الطّهر من الحيض:
أ - أقلّ الطّهر وأكثره:
24 -أجمع الفقهاء على أنّه لا حدّ لأكثر الطّهر ، لأنّ المرأة قد لا تحيض أصلًا .
وقد تحيض في السّنة مرّةً واحدةً . حكى أبو الطّيّب من الشّافعيّة ، أنّ امرأةً في زمنه كانت تحيض في كلّ سنة يومًا وليلةً . واختلفوا في أقلّ الطّهر .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة على المشهور ، والشّافعيّة إلى أنّ أقلّ طهر بين حيضتين خمسة عشر يومًا بلياليها ، لأنّ الشّهر غالبًا لا يخلو من حيض وطهر ، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر لزم أن يكون أقلّ الطّهر كذلك . واستدلّ الحنفيّة على ذلك بإجماع الصّحابة .
وذهب الحنابلة إلى أنّ أقلّ الطّهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا . لما روى أحمد واحتجّ به عن عليّ رضي الله عنه"أنّ امرأةً جاءته - قد طلّقها زوجها - فزعمت أنّها حاضت في شهر ثلاث حيض . فقال عليّ لشريح . قل فيها . فقال شريح: إن جاءت ببيّنة من بطانة أهلها ممّن يرجى دينه وأمانته فشهدت بذلك . وإلاّ فهي كاذبة . فقال عليّ: قالون - أي جيّد بالرّوميّة - قالوا: وهذا لا يقوله إلاّ توقيفًا ، وهو قول صحابيّ اشتهر ، ولم يعلم خلافه . ووجود ثلاث حيض في شهر دليل على أنّ الثّلاثة عشر طهر صحيح يقينًا ."
قال أحمد: لا يختلف أنّ العدّة يصحّ أن تنقضي في شهر إذا قامت به البيّنة .
وغالب الطّهر باقي الشّهر الهلاليّ بعد غالب الحيض ، وهو عند الشّافعيّة والحنابلة أربع وعشرون ، أو ثلاثة وعشرون ، وعند الحنفيّة خمس وعشرون .
ب - علامة الطّهر:
25 -الطّهر من الحيض يتحقّق بأحد أمرين ، إمّا انقطاع الدّم ، أو رؤية القصّة . والمقصود بانقطاع الدّم الجفاف بحيث تخرج الخرقة غير الملوّثة بدم ، أو كدرة ، أو صفرة. فتكون جافّةً من كلّ ذلك ، ولا يضرّ بللها بغير ذلك من رطوبة الفرج .
والقصّة ماء أبيض يخرج من فرج المرأة يأتي في آخر الحيض . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: « لمّا كانت النّساء يبعثن إليها بالدّرجة"اللّفافة"فيها الكرسف"القطن"فيه الصّفرة من دم الحيض . لا تعجلن حتّى ترين القصّة البيضاء » .
وقد صرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّ الغاية الانقطاع ، فإذا انقطع طهرت ، سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا .
وفرّق المالكيّة بين معتادة الجفوف ، ومعتادة القصّة ، ومعتادة القصّة مع الجفوف . فمعتادة الجفوف إذا رأت القصّة أوّلًا ، لا تنتظر الجفوف وإذا رأت الجفوف أوّلًا ، لا تنتظر القصّة . وأمّا معتادة القصّة فقط ، أو مع الجفوف إذا رأت الجفوف أوّلًا ، ندب لها انتظار القصّة لآخر الوقت المختار . وإن رأت القصّة أوّلًا فلا تنتظر شيئًا بعد ذلك . فالقصّة أبلغ لمعتادتها ، ولمعتادتها مع الجفوف أيضًا .
ج - حكم الطّهر المتخلّل بين أيّام الحيض:
26 -اختلف الفقهاء في النّقاء المتخلّل بين أيّام الحيض ، هل هو حيض أو طهر ؟ .
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه حيض . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه طهر .
وهناك تفصيل في بعض المذاهب بيانه في مصطلح: ( تلفيق ) .
د - دم الحامل:
27 -اختلف الفقهاء في دم الحامل هل هو دم حيض ، أو علّة وفساد ؟ .
فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ دم الحامل دم علّة وفساد ، وليس بحيض ، لحديث أبي سعيد رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: لا توطأ حامل حتّى تضع ، ولا غير ذات حمل حتّى تحيض » فجعل الحيض علمًا على براءة الرّحم ، فدلّ على أنّه لا يجتمع معه .
وقال صلى الله عليه وسلم في حقّ ابن عمر - لمّا طلّق زوجته وهي حائض - « مره فليراجعها ثمّ ليطلّقها طاهرًا أو حاملًا » . فجعل الحمل علمًا على عدم الحيض كالطّهر .
وقد استحبّ الحنابلة للحامل أن تغتسل عند انقطاع الدّم عنها احتياطًا ، وخروجًا من الخلاف.
وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ دم الحامل حيض ، إن توافرت شروطه لعموم الأدلّة لخبر: « دم الحيض أسود يعرف » وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت في الحامل ترى الدّم: أنّها تترك الصّلاة ، من غير نكير ، فكان إجماعًا . وإجماع أهل المدينة عليه ، ولأنّه دم متردّد بين دمي الجبلّة والعلّة ، والأصل السّلامة من العلّة ، ولأنّه دم لا يمنعه الرّضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضًا ، وإن ندر فكذا لا يمنعه الحيض .
وأكثر الحيض للحامل عند المالكيّة يختلف عن غيرها ، وقد سبق بيانه في فترة الحيض .
هـ - أنواع الطّهر:
28 -قسّم الحنفيّة الطّهر إلى صحيح ، وفاسد ، وإلى تامّ ، وناقص .
فالطّهر الصّحيح: هو النّقاء خمسة عشر يومًا فأكثر لا يشوبه خلالها دم مطلقًا لا في أوّله ، ولا في وسطه ، ولا في آخره ، ويكون بين دمين صحيحين ، والطّهر الفاسد ما خالف الصّحيح في أحد أوصافه ، بأن كان أقلّ من خمسة عشر ، أو خالطه دم أو لم يقع بين دمين صحيحين .
فإذا كان الطّهر أقلّ من خمسة عشر يومًا ، فإنّه طهر فاسد ، ويجعل كالدّم المتوالي . ولو كان خمسة عشر يومًا ، لكن خالطه دم صار طهرًا فاسدًا ، كما لو رأت المبتدأة أحد عشر يومًا دمًا ، وخمسة عشر طهرًا ، ثمّ استمرّ بها الدّم ، فالطّهر هنا صحيح ظاهر ، لأنّه استكمل خمسة عشر ، لكنّه فاسد معنىً ، لأنّ اليوم الحادي عشر تصلّي فيه فهو من جملة الطّهر . فقد خالط هذا الطّهر دم في أوّله ففسد .