16 -ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة وهو الأصحّ عند الشّافعيّة - إلى أنّ العادة تثبت بمرّة في المبتدأة ، لحديث أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّ امرأةً كانت تهراق الدّم على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستفتيت لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: لتنظر عدد الأيّام واللّيالي الّتي كانت تحيضهنّ من الشّهر قبل أن يصيبها الّذي أصابها ، فلتدع الصّلاة قدر ذلك من الشّهر ،فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل ثمّ لتستثفر بثوب ثمّ لتصلّ فيه » . فالحديث قد دلّ على اعتبار الشّهر الّذي قبل الاستحاضة ، ولأنّ الظّاهر أنّها فيه كالّذي يليه لقربه إليها فهو أولى ممّا انقضى . واستدلّ المالكيّة على ذلك بقوله تعالى { كما بدأكم تعودون } حيث شبّه العود بالبدء فيفيد إطلاق العود على ما فعل مرّةً واحدةً .
وذهب الحنابلة إلى أنّها لا تثبت إلاّ بثلاث مرّات في كلّ شهر مرّة ، وهو قول عند الشّافعيّة لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « دعي الصّلاة قدر الأيّام الّتي كنت تحيضين فيها » وهي صيغة جمع وأقلّه ثلاث ، ولأنّ ما اعتبر له التّكرار اعتبر فيه الثّلاث كالأقراء والشّهور في عدّة الحرّة ، وخيار المصرّاة ، ومهلة المرتدّ . ولأنّ العادة مأخوذة من المعاودة ولا تحصل المعاودة بمرّة واحدة . ثمّ إنّ الدّم عندهم إمّا أن يأتي في الثّلاث متساويًا أو مختلفًا .
فإن كان الدّم في الثّلاث متساويًا ابتداءً وانتهاءً ، ولم يختلف تيقّن أنّه حيض وصار عادةً . وإن كان الدّم على أعداد مختلفة فما تكون منه ثلاثًا صار عادةً لها دون ما لم يتكرّر مرتّبًا ، كان كخمسة في أوّل شهر ، وستّة في شهر ثان ، وسبعة في شهر ثالث ، فتجلس الخمسة لتكرارها ثلاثًا ، كما لو لم يختلف . أو غير مرتّب كأن ترى في الشّهر الأوّل خمسةً ، وفي الشّهر الثّاني أربعةً ، وفي الشّهر الثّالث ستّةً ، فتجلس الأربعة لتكرّرها .
وفي رواية عن أحمد وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أنّها تثبت بمرّتين .
وقد نصّ الحنابلة على أنّ نقص العادة لا يحتاج إلى تكرار ، لأنّه رجوع إلى الأصل وهو العدم . فلو نقصت عادتها ثمّ استحيضت بعده . فإن كانت عادتها عشرة أيّام فرأت الدّم سبعةً ثمّ استحيضت في الشّهر الآخر جلست السّبعة لأنّها الّتي استقرّت عليها عادتها .
واختلف الحنفيّة في المعتادة إذا رأت ما يخالف عادتها مرّةً واحدةً ، هل يصير ذلك المخالف عادةً لها أم لا بدّ من تكراره ؟ فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يصير ذلك عادةً بمرّة واحدة . وذهب محمّد إلى أنّه لا يصير عادةً إلاّ بتكراره .
بيان ذلك لو كانت عادتها خمسةً من أوّل الشّهر فرأت ستّةً فهي حيض اتّفاقًا ، لكن عندهما يصير ذلك عادةً ، فإذا استمرّ بها الدّم في الشّهر الثّاني تردّ إلى آخر ما رأت ، وعند محمّد تردّ إلى العادة القديمة . ولو رأت السّتّة مرّتين تردّ إليها عند الاستمرار اتّفاقًا .
والخلاف في العادة الأصليّة وهي أن ترى دمين متّفقين وطهرين متّفقين على الولاء أو أكثر لا الجعليّة . أمّا الجعليّة فإنّها تنتقض برؤية المخالف مرّةً بالاتّفاق . وصورة الجعليّة أن ترى أطهارًا مختلفةً ، ودماءً مختلفةً فتبني على أوسط الأعداد على قول محمّد بن إبراهيم . وعلى الأقلّ من المرّتين الأخيرتين على قول أبي عثمان سعيد بن مزاحم .
أحوال المعتادة:
المعتادة إمّا أن ترى من الدّم ما يوافق عادتها . أو ينقطع الدّم دون عادتها ، أو يجاوز عادتها .
موافقة الدّم للعادة:
17 -اتّفق الفقهاء على أنّه إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها بأن انقطع دمها ولم ينقص أو يزد على عادتها ، فأيّام الدّم حيض وما بعدها طهر .
فإن كانت عادتها خمسة أيّام حيضًا . وخمسةً وعشرين طهرًا ورأت ما يوافق ذلك ، فحيضها خمسة أيّام ، وطهرها خمسة وعشرون كعادتها .
انقطاع الدّم دون العادة:
18 -اتّفق الفقهاء على أنّه إذا انقطع دم المعتادة دون عادتها ، فإنّها تطهر بذلك ولا تتمّم عادتها ، بشرط أن لا يكون انقطاع الدّم دون أقلّ الحيض . ومنع الحنفيّة وطأها حينئذ حتّى تمضي عادتها وإن اغتسلت . قالوا: لأنّ العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب . ومذهب الجمهور أنّه يجوز وطؤها .
وقد صرّح الحنابلة بعدم كراهته كسائر الطّاهرات ومتى كان انقطاع الدّم دون أقلّ الحيض - على الخلاف المتقدّم فيه - فليس ذلك الدّم بحيض في حقّها لتبيّن أنّه دم فساد لا حيض ومن ثمّ فإنّها تقضي الصّلاة والصّوم .
وقد صرّح الحنفيّة بأنّها تصلّي كلّما انقطع الدّم ، لكن تنتظر إلى آخر الوقت المستحبّ وجوبًا فإن لم يعد في الوقت تتوضّأ فتصلّي وكذا تصوم إن انقطع ليلًا ، فإن عاد في الوقت أو بعده في العشرة الأيّام بعد الحكم بطهارتها فتقعد عن الصّوم والصّلاة .
والفرق عندهم بين انقطاع الدّم قبل العادة وبعد الثّلاث - وهو أقلّ الحيض عندهم - وانقطاعه قبل الثّلاث أنّها تصلّي ، بالغسل كلّما انقطع قبل العادة وبعد الثّلاث لا بالوضوء . لأنّه تحقّق كونها حائضًا برؤية الدّم ثلاثةً فأكثر ، بخلاف انقطاعه قبل الثّلاث ، فإنّها تصلّي بالوضوء لأنّه تبيّن أنّ الدّم دم فساد لا دم حيض .
وإن عاد الدّم بعد انقطاعه ، فمذهب الحنفيّة أنّه يبطل الحكم بطهارتها بشرط أن يعود في مدّة أكثر الحيض - عشرة أيّام - ولم يتجاوزها .