قال صاحب المغني: منع الرّجل من استعمال فضلة طهور المرأة تعبّديّ غير معقول المعنى ، نصّ عليه أحمد ، ولذلك يباح لامرأة سواها التّطهّر به في طهارة الحدث وغسل النّجاسة وغيرها ، لأنّ النّهي اختصّ بالرّجل ، ولم يعقل معناه ، فيجب قصره على محلّ النّهي . وهل يجوز للرّجل غسل النّجاسة به ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو قول القاضي . والثّاني: يجوز وهو الصّحيح ، لأنّه ماء يطهّر المرأة من الحدث والنّجاسة ، فيزيل النّجاسة إذا فعله الرّجل كسائر المياه .
والحديث لا تعقل علّته ، فيقتصر على ما ورد به لفظه - أي التّطهّر من الحدث لا غير .
الأصل في الأحكام من حيث التّعليل أو التّعبّد:
16 -اختلف الأصوليّون هل الأصل في الأحكام التّعليل أو عدمه ؟ فذهب البعض إلى الأوّل ، فلا تعلّل الأحكام إلّا بدليل . قالوا: لأنّ النّصّ موجب بصيغته لا بالعلّة . ونسب إلى الشّافعيّ رضي الله عنه: أنّ الأصل التّعليل بوصف ، لكن لا بدّ من دليل يميّزه من غيره . قال في التّلويح: والمشهور بين أصحاب الشّافعيّ: أنّ الأصل في الأحكام التّعبّد دون التّعليل . قال: والمختار: أنّ الأصل في النّصوص التّعليل ، وأنّه لا بدّ - أي لصحّة القياس - من دليل يميّز الوصف الّذي هو علّة ، ومع ذلك لا بدّ قبل التّعليل والتّمييز من دليل يدلّ على أنّ هذا الوصف الّذي يريد استخراج علّته معلّل في الجملة .
وذهب الشّاطبيّ إلى أنّ الأمر في ذلك يختلف بين العبادات والمعاملات ، قال: الأصل في العبادات بالنّسبة للمكلّف التّعبّد ، دون الالتفات إلى المعاني ، والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني .
17 -فأمّا أنّ الأصل في العبادات التّعبّد ، فيدلّ له أمور منها:
الاستقراء . فالصّلوات خصّت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات ، ووجدنا الذّكر في هيئة ما مطلوبًا ، وفي هيئة أخرى غير مطلوب ، وأنّ طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطّهور ، وإن أمكنت النّظافة بغيره ، وأنّ التّيمّم - وليست فيه نظافة حسّيّة - يقوم مقام الطّهارة بالماء المطهّر .
وهكذا سائر العبادات كالصّوم والحجّ وغيرهما ، وإنّما فهمنا من حكمة التّعبّد العامّة الانقياد لأوامر اللّه تعالى ، وهذا المقدار لا يعطي علّة خاصّة يفهم منها حكم خاصّ ، فعلمنا أنّ المقصود الشّرعيّ الأوّل التّعبّد للّه بذلك المحدود ، وأنّ غيره غير مقصود شرعًا .
ومنها: أنّه لو كان المقصود التّوسعة في التّعبّد بما حدّ وما لم يحدّ ، لنصب الشّارع عليه دليلا واضحا ، ولمّا لم نجد ذلك كذلك - بل على خلافه - دلّ على أنّ المقصود الوقوف عند ذلك المحدود ، إلا أن يتبيّن بنصّ أو إجماع معنى مراد في بعض الصّور ، فلا لوم على من اتّبعه . لكنّ ذلك قليل ، فليس بأصل ، وإنّما الأصل ما عمّ في الباب وغلب على الموضع . 18 - ثمّ قال الشّاطبيّ: وأمّا إنّ الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور:
الأوّل: الاستقراء ، فنرى الشّيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة ، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدّرهم بالدّرهم إلى أجل: تمتنع في المبايعة ، ويجوز في القرض . وكبيع الرّطب من جنس بيابسه . يمتنع حيث يكون مجرّد غرر وربا من غير مصلحة ، ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة"كما في تمر العرايا أبيح بيعه بالتّمر توسعة على النّاس"، ولتعليل النّصوص أحكام العادات بالمصلحة كما في قوله تعالى: { وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ } وفي آية تحريم الخمر { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عنْ ذِكْرِ اللَّهِ وِعنِ الصَّلاةِ فَهلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } وفي حديث: « لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان » ونحو ذلك .
والثّاني: أنّ أكثر ما علّل اللّه تعالى في العادات بالمناسب الّذي إذا عرض على العقول تلقّته بالقبول ، ففهمنا من ذلك أنّ قصد الشّارع فيها اتّباع المعاني ، لا الوقوف مع النّصوص . بخلاف العبادات ، فإنّ المعلوم فيها خلاف ذلك ، ولهذا توسّع مالك حتّى قال بقاعدة المصالح المرسلة ، والاستحسان .
والثّالث: أنّ الالتفات إلى المعاني في أمور العادات كان معلوما في الفترات ، واعتمد عليه العقلاء ، حتّى جرت بذلك مصالحهم ، سواء أهل الحكمة الفلسفيّة وغيرهم . إلا أنّهم قصّروا في جملة من التّفاصيل ، فجاءت الشّريعة لتتمّم مكارم الأخلاق . ومن هنا أقرّت الشّريعة جملة من الأحكام الّتي كانت في الجاهليّة ، كالدّية ، والقسامة ، والقراض ، وكسوة الكعبة ، وأشباه ذلك ممّا كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق الّتي تقبلها العقول .
المفاضلة بين التّعبّديّ ومعقول المعنى:
19 -نقل ابن عابدين عن صاحب الفتاوى التمرتاشية أنّه قال: لم أقف على شيء من ذلك لعلمائنا في هذا ، سوى قولهم: الأصل في النّصوص التّعليل ، فإنّه يشير إلى أفضليّة المعقول معناه . قال: ووقفت على ذلك في فتاوى ابن حجر ، قال: قضيّة كلام ابن عبد السّلام أنّ التّعبّديّ أفضل ، لأنّه بمحض الانقياد ، بخلاف ما ظهرت علّته ، فإنّ ملابسه قد يفعل لتحصيل فائدته ، وخالفه البلقينيّ فقال: لا شكّ أنّ معقول المعنى من حيث الجملة أفضل ، لأنّ أكثر الشّريعة كذلك .
وظاهر كلام الشّاطبيّ الأخذ بقول من يقول: إنّ التّعبّديّ أفضل ، وذلك حيث قال: إنّ التّكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها فللمكلّف في الدّخول تحتها ثلاثة أحوال: