الأوّل: أن يقصد بها ما فهم من مقصد الشّارع في شرعها . وهذا لا إشكال فيه ، ولكن لا ينبغي أن يخلّيه من قصد التّعبّد ، فكم ممّن فهم المصلحة فلم يلو على غيرها ، فغاب عن أمر الآمر بها . وهي غفلة تفوّت خيرات كثيرة ، بخلاف ما إذا لم يهمل التّعبّد .
ثمّ إنّ المصالح لا يقوم دليل على انحصارها فيما علم إلا نادرًا ، فإذا لم يثبت الحصر كان قصد تلك الحكمة المعيّنة ربّما أسقط ما هو مقصود أيضا من شرع الحكم .
الثّاني: أن يقصد بها ما عسى أن يقصده الشّارع ، ممّا اطّلع عليه أو لم يطّلع عليه .
وهذا أكمل من القصد الأوّل ، إلا أنّه ربّما فاته النّظر إلى التّعبّد .
الثّالث: أن يقصد مجرّد امتثال الأمر ، فهم قصد المصلحة أو لم يفهم . قال: فهذا أكمل وأسلم . أمّا كونه أكمل فلأنّه نصب نفسه عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبّيا ، إذ لم يعتبر إلّا مجرّد الأمر . وقد وكّل العلم بالمصلحة إلى العالم بها جملة وتفصيلا وهو اللّه تعالى .
وأمّا كونه أسلم ، فلأنّ العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبوديّة ، فإن عرض له قصد غير اللّه ردّه قصد التّعبّد . فهذا الّذي قاله يتجلّى في التّعبّديّات أكثر ممّا يظهر فيما كان معقول المعنى من الأحكام . ومذهب الغزاليّ في ذلك أيضا أنّ التّعبّديّ أفضل ، كما هو واضح فيما تقدّم النّقل عنه من قوله: إنّ ما لا يهتدى لمعانيه أبلغ أنواع التّعبّدات في تزكية النّفوس . وفي حاشية ابن عابدين: أنّ هذين القولين في الأفضليّة هما على سبيل الإجمال ، أمّا بالنّظر إلى الجزيئات ، فقد يكون التّعبّديّ أفضل كالوضوء وغسل الجنابة ، فإنّ الوضوء أفضل . وقد يكون المعقول أفضل كالطّواف والرّمي ، فإنّ الطّواف أفضل .
خصائص التّعبّديّات:
20 -من أحكام التّعبّديّات:
أ - أنّه لا يقاس عليها ، لأنّ القياس فرع معرفة العلّة ، والفرض: أنّ التّعبّديّ لم تعرف علّته ، فيمتنع القياس عليه ، ولا يتعدّى حكمه موضعه ، سواء أكان مستثنى من قاعدة عامّة ولا يعقل معنى الاستثناء ، كتخصيص النّبيّ صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة ، وتخصيص أبي بردة بالتّضحية بعناق ، أم لم يكن كذلك ، بل كان حكما مبتدأ ، كتقدير أعداد الرّكعات ، ووجوب شهر رمضان ، ومقادير الحدود والكفّارات وأجناسها ، وجميع التّحكّمات المبتدأة الّتي لا ينقدح فيها معنى ، فلا يقاس عليها غيرها .
21 -وبناء على هذا الأصل وقع الخلاف بين الفقهاء في فروع فقهيّة ، منها: رجم اللّوطيّ ، رفضه الحنفيّة ، وأثبته مالك وأحمد في رواية عنه والشّافعيّ في أحد قوليه .
قال الحنفيّة: لا يجري القياس في الحدود والكفّارات ، لأنّ الحدود مشتملة على تقديرات لا تعرف ، كعدد المائة في حدّ الزّنى ، والثّمانين في القذف ، فإنّ العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد ، قالوا: وما كان يعقل منها - أي من أحكام الحدود - فإنّ الشّبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب عدم إثباته بالقياس ، وهذا كقطع يد السّارق لكونها جنت بالسّرقة فقطعت .
وهكذا اختلاف تقديرات الكفّارات ، فإنّه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الرّكعات .
وأجاز غير الحنفيّة القياس في الحدود والكفّارات ، لكن فيما يعقل معناه من أحكامها لا فيما لا يعقل منها ، كما في غير الحدود والكفّارات .
ب - قال الشّاطبيّ: إنّ التّعبّديّات ما كان منها من العبادات فلا بدّ فيه من نيّة كالطّهارة ، والصّلاة ، والصّوم . ومن لم يشترط النّيّة في بعضها فإنّه يبني على كون ذلك البعض معقول المعنى ، فحكمه كما لو كان من أمور العادات .
أمّا صوم رمضان والنّذر المعيّن ، فلم يشترط الحنفيّة لهما تبييت النّيّة ولا التّعيين ، ووجه ذلك عندهم: أنّه لو نوى غيرهما في وقتهما انصرف إليهما ، بناء على أنّ الكفّ عن المفطرات قد استحقّه الوقت ، فلا ينصرف لغيره ، ولا يصرفه عنه قصد سواه . ومن هذا ما قال الحنابلة في غسل القائم من نوم اللّيل يده قبل إدخالها الإناء: إنّه تعبّديّ ، فتعتبر له النّيّة الخاصّة ، ولا يجزئ عن غسلهما نيّة الوضوء أو الغسل ، لأنّهما عبادة مفردة .