وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرّقّ والعبوديّة ، فإنّ الزّكاة إرفاق ، ووجهه مفهوم ، وللعقل إليه ميل ، والصّوم كسر للشّهوة الّتي هي آلة عدوّ اللّه ، وتفرّغ للعبادة ، بالكفّ عن الشّواغل . والرّكوع والسّجود في الصّلاة تواضع للّه عزّ وجلّ بأفعال هي هيئة التّواضع ، وللنّفوس السّعي بتعظيم اللّه عزّ وجلّ . فأمّا تردّدات السّعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال ، فلا حظّ للنّفوس فيها ولا أنس للطّبع بها ، ولا اهتداء للعقول إلى معانيها ، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلّا الأمر المجرّد ، وقصد الامتثال للأمر من حيث إنّه أمر واجب الاتّباع فقط ، وفيه عزل للعقل عن تصرّفه وصرف النّفس والطّبع عن محلّ أنسه . فإنّ كلّ ما أدرك العقل معناه مال الطّبع إليه ميلا ما ، فيكون ذلك الميل معيّنا للأمر وباعثا معه على الفعل ، فلا يكاد يظهر به كمال الرّقّ والانقياد . ولذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحجّ على وجه الخصوص: « لبّيك بحجّة حقًّا ، تعبُّدًا ورِقًّا » ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها . وإذا اقتضت حكمة اللّه تعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم ، وأن يكون زمامها بيد الشّرع ، فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد ، كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التّعبّدات في تزكية النّفوس ، وصرفها عن مقتضى الطّباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق .
طرق معرفة التّعبّديّ:
14 -لم يعرف في تمييز التّعبّديّات عن غيرها من الأحكام المعلّلة وجه معيّن ، غير العجز عن التّعليل بطريق من الطّرق المعتبرة ، على ما هو معلوم في مباحث القياس من علم الأصول . ولذلك يقول ابن عابدين: ما شرعه اللّه إن ظهرت لنا حكمته ، قلنا: إنّه معقول المعنى ، وإلّا قلنا: إنّه تعبّديّ . وإلى هذا يشير كلام الغزاليّ المتقدّم آنفا ، من أنّ المصير إلى التّعبّد نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز .
ومن هنا اختلفت أقوال الفقهاء في اعتبار بعض الأحكام تعبّديّا أو معقول المعنى ، فما يراه بعض الفقهاء تعبّديّا قد يراه البعض الآخر معلّلا بمصالح غلب على ظنّه رعايتها .
فمن ذلك أنّ صاحب الدّرّ المختار قال: إنّ تكرار السّجود أمر تعبّديّ ، أي لم يعقل معناه ، تحقيقا للابتلاء . وقال ابن عابدين: وقيل: إنّه ثنّي ترغيما للشّيطان ، حيث أمر بالسّجود مرّة فلم يسجد ، فنحن نسجد مرّتين . وكون طلاق الحائض بدعيّا ، قيل: هو تعبّديّ .
قال الدّردير: والأصحّ أنّه معلّل بتطويل العدّة ، لأنّ أوّلها من الطّهر بعد الحيض .
والسّعي بين الصّفا والمروة ورمي الجمار يمثّل بها الفقهاء لغير المعقول المعنى ، كما تقدّم عن الغزاليّ . غير أنّ بعض العلماء يعلّلونه وأمثاله ممّا وضع من المناسك على هيئة أعمال بعض الصّالحين ، كالسّعي الّذي جعل على هيئة سعي أمّ إسماعيل عليه السلام بينهما . يقول تقيّ الدّين بن دقيق العيد: في ذلك من الحكمة تذكّر الوقائع الماضية للسّلف الكرام ، وفي طيّ تذكّرها مصالح دينيّة ، إذ يتبيّن في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر اللّه ، والمبادرة إليه ، وبذل الأنفس في ذلك . وبذلك يظهر لنا أنّ كثيرًا من الأعمال الّتي وقعت في الحجّ ، ويقال بأنّها"تعبّد"ليست كما قيل . ألا ترى أنّا إذا فعلناها وتذكّرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تعظيم الأوّلين ، وما كانوا عليه من احتمال المشاقّ في امتثال أمر اللّه ، فكان هذا التّذكّر باعثا لنا على مثل ذلك ، ومقرّرًا في أنفسنا تعظيم الأوّلين ، وذلك معنى معقول . ثمّ ذكر أنّ السّعي بين الصّفا والمروة اقتداء بفعل هاجر ، وأنّ رمي الجمار اقتداء بفعل إبراهيم عليه السلام ، إذ رمى إبليس بالجمار في هذا الموضع .
وابن القيّم في إعلام الموقّعين ، سيرا على خطى شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمهما الله ، رأى كما تقدّم أنّه ليس في الشّريعة تعبّد محض ، وردّ كلّ ما قيل فيه: إنّه مخالف للقياس ، كفرض الصّاع في لبن المصرّاة المردودة على بائعها ، وما قيل من أنّ الشّريعة فرّقت بين المتساويات ، كأمرها بالغسل من بول الجارية وبالنّضح من بول الصّبيّ ، وسوّت بين المفترقات ، كتسويتها بين الخطأ والعمد في وجوب الضّمان . فعلّل كلّ ما قيل فيه ذلك ، وبيّن وجه الحكمة فيه ، وأنّ علّته معقولة ، ويوافق القياس ولا يخالفه ، وأطال في ذلك .
ما تكون فيه التّعبّديّات ، وأمثلة منها:
15 -يذكر بعض الأصوليّين أنّ التّعبّديّات أكثر ما تكون في أصول العبادات ، كاشتراع أصل الصّلاة أو الصّوم أو الاعتكاف . وفي نصب أسبابها ، كزوال الشّمس لصلاة الظّهر ، وغروبها لصلاة المغرب . وفي الحدود والكفّارات . وفي التّقديرات العدديّة بوجه عامّ ، كتقدير أعداد الرّكعات ، وتقدير عدد الجلدات في الحدود ، وتقدير أعداد الشّهود .
وذكر الشّاطبيّ من أمثلة وقوعها في العادات: طلب الصّداق في النّكاح ، وتخصيص الذّبح بمحلّ مخصوص ، والفروض المقدّرة في المواريث ، وعدد الأشهر في عدّة الطّلاق وعدّة الوفاة . ومن أمثلتها عند الحنابلة حديث: « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتوضّأ الرّجل بفضل طهور المرأة » .