فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 2053

الضَّمَانُ فِي الْإِرْسَالِ: 11 - ذَكَرَ الدَّرْدِيرُ أَنَّهُ إنْ زَعَمَ شَخْصٌ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ زَيْدٍ لِاسْتِعَارَةِ حُلِيٍّ لَهُ مِنْ بَكْرٍ , فَدَفَعَ لَهُ بَكْرٌ مَا طَلَبَ , وَزَعَمَ الرَّسُولُ أَنَّهُ تَلِفَ مِنْهُ , ضَمِنَهُ زَيْدٌ ( الْمُرْسِلُ ) إنْ صَدَّقَهُ فِي الْإِرْسَالِ , وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ وَبَرِئَ , ثُمَّ حَلَفَ الرَّسُولُ: لَقَدْ أَرْسَلَنِي وَأَنَّهُ تَلِفَ لَا تَفْرِيطَ مِنِّي وَبَرِئَ أَيْضًا , وَضَاعَ الْحُلِيُّ هَدَرًا . لَكِنْ الرَّاجِحُ أَنَّ الرَّسُولَ يَضْمَنُ - وَلَا يَبْرَأُ بِالْحَلِفِ - إلَّا لِبَيِّنَةٍ بِالْإِرْسَالِ , فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُرْسِلِ . أَمَّا قَاضِي خَانْ فَقَدْ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ: رَجُلٌ بَعَثَ رَسُولًا إلَى بَزَّازٍ أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبِ كَذَا وَكَذَا بِثَمَنِ كَذَا وَكَذَا , فَبَعَثَ إلَيْهِ الْبَزَّازُ مَعَ رَسُولِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ , فَضَاعَ الثَّوْبُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْآمِرِ , وَتَصَادَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرُّوا بِهِ , فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّسُولِ فِي شَيْءٍ , وَإِنْ بَعَثَ الْبَزَّازُ مَعَ رَسُولِ الْآمِرِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ ; لِأَنَّ رَسُولَهُ قَبَضَ الثَّوْبَ عَلَى الْمُسَاوَمَةِ , وَإِنْ كَانَ رَسُولُ رَبِّ الثَّوْبِ مَعَهُ . فَإِذَا وَصَلَ الثَّوْبُ إلَى الْآمِرِ يَكُونُ ضَامِنًا . قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ أَرْسَلَ رَجُلٌ رَسُولًا إلَى رَجُلٍ آخَرَ وَقَالَ لَهُ: ابْعَثْ إلَيَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَرْضًا فَقَالَ: نَعَمْ , وَبَعَثَ بِهَا مَعَ رَسُولِهِ , كَانَ الْآمِرُ ضَامِنًا لَهَا , إذَا أَقَرَّ أَنَّ رَسُولَهُ قَبَضَهَا . وَلَوْ بَعَثَ رَجُلًا لِيَسْتَقْرِضَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَقْرَضَهُ فَضَاعَ فِي يَدِهِ , إنْ قَالَ الرَّسُولُ أَقْرِضْ فُلَانًا الْمُرْسَلَ . فَهِيَ لِلْمُرْسِلِ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ , وَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ: أَقْرِضْنِي لِفُلَانٍ الْمُرْسِلِ فَأَقْرَضَهُ , وَضَاعَ فِي يَدِهِ , فَعَلَى الرَّسُولِ الضَّمَانُ . فَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِقْرَاضِ يَجُوزُ , وَبِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَجُوزُ , وَالرِّسَالَةُ بِالِاسْتِقْرَاضِ لِلْآمِرِ جَائِزَةٌ , وَإِنْ أَخْرَجَ الْوَكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الرِّسَالَةِ يَقَعُ الْقَرْضُ لِلْآمِرِ , وَإِنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْوَكَالَةِ بِأَنْ أَضَافَ إلَى نَفْسِهِ يَصِيرُ مُسْتَقْرِضًا لِنَفْسِهِ , وَيَكُونُ مَا اسْتَقْرَضَ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَهُ , وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْمُوَكِّلِ . وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الرَّسُولَ إنْ كَانَ رَسُولَ رَبِّ الْمَالِ فَالْوَدِيعُ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى الرَّسُولِ وَلَوْ مَاتَ الرَّسُولُ قَبْلَ الْوُصُولِ , وَيَرْجِعُ الْكَلَامُ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَوَرَثَةِ الرَّسُولِ , فَإِنْ مَاتَ الرَّسُولُ قَبْلَ الْوُصُولِ كَانَ الضَّمَانُ فِي تَرِكَتِهِ , وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْوُصُولِ فَلَا رُجُوعَ , حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ أَوْصَلَهُ لِرَبِّ الْمَالِ . وَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ رَسُولَ الْوَدِيعِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِوُصُولِهِ لِرَبِّ الْمَالِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ , فَإِنْ مَاتَ الرَّسُولُ قَبْلَ الْوُصُولِ رَجَعَ الْوَدِيعُ فِي تَرِكَتِهِ , وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْوُصُولِ فَلَا رُجُوعَ وَهِيَ مُصِيبَةٌ عَلَى الْوَدِيعِ . قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: إنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُودَعَ وَالرَّسُولَ مُؤْتَمَنُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْمُودِعِ وَالْمُرْسِلِ , فَإِذَا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَدُّوا مَا دُفِعَ إلَيْهِمْ إلَى أَرْبَابِهِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ قَدْ ائْتَمَنُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ , فَكَانَ قَوْلُهُمْ مَقْبُولًا فِيمَا بَيْنَهُمْ . كَمَا لَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا إلَى رَجُلٍ وَقَالَ: ابْعَثْ إلَيَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَرْضًا , فَقَالَ: نَعَمْ , وَبَعَثَ بِهَا مَعَ رَسُولِ الْآمِرِ , فَالْآمِرُ ضَامِنٌ لَهَا إذَا أَقَرَّ بِأَنَّ رَسُولَهُ قَدْ قَبَضَهَا , وَإِنْ بَعَثَ بِهَا مَعَ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى تَصِلَ إلَيْهِ . وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَبَعَثَ إلَى الْمَدْيُونِ رَسُولًا أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك , فَإِنْ بَعَثَ بِهِ مَعَ رَسُولِ الْآمِرِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ . أَمَّا لَوْ بَعَثَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ بِكِتَابٍ مَعَ رَسُولٍ أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ ثَوْبَ كَذَا بِثَمَنِ كَذَا , فَفَعَلَ , وَبَعَثَ بِهِ مَعَ الَّذِي أَتَاهُ بِالْكِتَابِ , لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ الْآمِرِ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ , وَفِي هَذَا إنَّمَا الرَّسُولُ رَسُولٌ بِالْكِتَابِ . وَإِذَا أَرْسَلَ الْمُودَعُ ( بِفَتْحِ الدَّالِ ) الْوَدِيعَةَ لِلْمُودِعِ ( بِكَسْرِ الدَّالِ ) بِإِذْنِهِ صَحَّ هَذَا الْإِرْسَالُ , أَمَّا إنْ أَرْسَلَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَتَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ مِنْ الرَّسُولِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا , إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ , هِيَ فِيمَا إذَا عَرَضَتْ لِلْمُودَعِ إقَامَةٌ طَوِيلَةٌ فِي الطَّرِيقِ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت