الْإِرْسَالُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ: الْإِرْسَالُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ: 9 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ شَخْصٌ إلَى غَيْرِهِ رَسُولًا أَوْ كِتَابًا يَطْلُبُ مِنْهُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا مَا , وَقَبِلَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ خِلَالَ الْمَجْلِسِ الَّذِي تُلِيَ فِيهِ الْكِتَابُ الْمُرْسَلُ , أَوْ سَمَاعُ أَقْوَالِ الرَّسُولِ فَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ , لِأَنَّ الرَّسُولَ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ عَنْ كَلَامِ الْمُرْسِلِ , نَاقِلٌ كَلَامَهُ إلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِ , فَكَأَنَّهُ حَضَرَ بِنَفْسِهِ , فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ , وَقَبِلَ الْآخَرُ فِي الْمَجْلِسِ . وَهَذَا الْحُكْمُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ يَسْرِي عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ , وَالْمُكَاتَبَةِ , إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُفَرِّقُونَ فِي حُكْمِ الْإِرْسَالِ بِالشِّرَاءِ تَبَعًا لِلَفْظِ الرَّسُولِ , فَإِذَا أَسْنَدَ الرَّسُولُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ طُولِبَ بِالثَّمَنِ , لَكِنْ إذَا أَقَرَّ الْمُرْسِلُ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ كَانَ لِلْبَائِعِ غَرِيمَانِ , فَيَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ , إلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُرْسِلُ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ لِلرَّسُولِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ , وَيَتْبَعُ الرَّسُولَ , أَمَّا إذَا أَسْنَدَ الشِّرَاءَ لِمَنْ أَرْسَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالثَّمَنِ , وَإِنَّمَا الَّذِي يُطَالَبُ بِهِ الْمُرْسِلُ . هَذَا , وَقَدْ ذَكَرَ الدَّرْدِيرُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ أَنَّ الرَّسُولَ إذَا قَالَ: بَعَثَنِي فُلَانٌ لِتَبِيعَهُ كَذَا بِمِائَةٍ , أَوْ لِيَشْتَرِيَ مِنْك كَذَا بِمِائَةٍ مَثَلًا , فَرَضِيَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ , لَا يُطَالَبُ الرَّسُولُ بِالثَّمَنِ , فَإِنْ أَنْكَرَ فُلَانٌ هَذَا أَنَّهُ أَرْسَلَهُ فَالثَّمَنُ عَلَى الرَّسُولِ . أَمَّا إذَا قَالَ: بَعَثَنِي فُلَانٌ لِأَشْتَرِيَ لَهُ مِنْك , فَيُطَالَبُ الرَّسُولُ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّهُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَسْنَدَ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ , وَفِي الْحَالِ الْأَخِيرَةِ أَسْنَدَ الشِّرَاءَ إلَى نَفْسِهِ . كَمَا أَجْمَعَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْخِيَارِ , وَلَا تَكُونُ رُؤْيَتُهُ رُؤْيَةَ الْمُرْسِلِ , وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُرْسِلِ إذَا لَمْ يَرَهُ . وَقَدْ عَقَّبَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِأَنَّ رُؤْيَةَ الرَّسُولِ وَقَبْضَهُ لَا يَلْزَمُ الْمُرْسِلَ الْمَتَاعُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِلْمُ الْعَاقِدِ بِأَوْصَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِيَتِمَّ رِضَاهُ , وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الرَّسُولِ , فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّ قَبْضَ رَسُولِهِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ , وَلَوْ قَبَضَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ كَانَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ , فَكَذَلِكَ إذَا أَرْسَلَ رَسُولًا فَقَبَضَهُ لَهُ .
مِلْكِيَّةُ الشَّيْءِ الْمُرْسَلِ: 10 - قَرَّرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُرْسَلَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُرْسِلِهِ , حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ , وَمَا دَامَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُرْسِلِهِ , وَقَدْ عَيَّنَهُ لِإِنْسَانٍ فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ مُطْلَقًا .