صِلَةُ الْأَقَارِبِ: 5 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي قَوْلٍ لَهُمْ - إلَى أَنَّ الْأَخَ الْأَكْبَرَ كَالْأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي حُكْمِ الصِّلَةِ , وَكَذَا الْجَدُّ , وَإِنْ عَلَا , وَالْأُخْتُ الْكَبِيرَةُ , وَالْخَالَةُ كَالْأُمِّ فِي الصِّلَةِ . وَقَرِيبٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَا اخْتَارَهُ الزَّرْكَشِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمِّ وَالْخَالَةِ , إذْ يَجْعَلُ الْعَمَّ بِمَثَابَةِ الْأَبِ , وَالْخَالَةَ بِمَثَابَةِ الْأُمِّ , لِمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ , وَأَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ . لَكِنْ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ مُخَالِفٌ لِأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ , لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ اخْتَصَّا مِنْ الرِّعَايَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْإِحْسَانِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ جِدًّا وَغَايَةٍ رَفِيعَةٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْحَامِ , وَأَجَابُوا عَمَّا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَكْفِي التَّشَابُهُ فِي أَمْرٍ مَا كَالْحَضَانَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَالَةِ وَالْأُمِّ , وَالْإِكْرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ وَالْعَمِّ .
مَنْ تُطْلَبُ صِلَتُهُ مِنْ الْأَرْحَامِ: 6 - لِلْعُلَمَاءِ فِي الرَّحِمِ الَّتِي يُطْلَبُ وَصْلُهَا رَأْيَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الصِّلَةَ خَاصَّةٌ بِالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ دُونَ غَيْرِهِ , وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ , وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ , . قَالُوا: لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لِجَمِيعِ الْأَقَارِبِ لَوَجَبَ صِلَةُ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ , وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ , فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَبْطِ ذَلِكَ بِقَرَابَةٍ تَجِبُ صِلَتُهَا وَإِكْرَامُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا , وَتِلْكَ قَرَابَةُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَأُخْتِهَا , فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ } . الثَّانِي: أَنَّ الصِّلَةَ تُطْلَبُ لِكُلِّ قَرِيبٍ , مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ , وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ , وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ , وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الشَّافِعِيَّةِ , فَلَمْ يُخَصِّصْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ .
الصِّلَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ: 7 - لَا خِلَافَ فِي أَنَّ صِلَةَ الِابْنِ الْمُسْلِمِ لِأَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ مَطْلُوبَةٌ . أَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْأَقَارِبِ الْكُفَّارِ فَلَا تُطْلَبُ صِلَتُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } . وَدَلِيلُ اسْتِثْنَاءِ الْأَبَوَيْنِ قوله تعالى: { وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } . ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ , لَكِنْ نَقَلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ سَحْنُونِ بْنِ مُهَمَّدَانَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الصِّلَةِ .
دَرَجَاتُ الصِّلَةِ: 8 - ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ دَرَجَاتِ الصِّلَةِ تَتَفَاوَتُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقَارِبِ , فَهِيَ فِي الْوَالِدَيْنِ أَشَدُّ مِنْ الْمَحَارِمِ , وَفِيهِمْ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهِمْ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالصِّلَةِ أَنْ تَصِلَهُمْ إنْ وَصَلُوك ; لِأَنَّ هَذَا مُكَافَأَةٌ , بَلْ أَنْ تَصِلَهُمْ وَإِنْ قَطَعُوك . فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ { لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا }
بِمَ تَحْصُلُ الصِّلَةُ ؟ 9 - تَحْصُلُ صِلَةُ الْأَرْحَامِ بِأُمُورٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا: الزِّيَارَةُ , وَالْمُعَاوَنَةُ , وَقَضَاءُ الْحَوَائِجِ , وَالسَّلَامُ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ } وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ السَّلَامِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ كَمَا تَحْصُلُ الصِّلَةُ بِالْكِتَابَةِ إنْ كَانَ غَائِبًا , نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ , وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ , أَمَّا هُمَا فَلَا تَكْفِي الْكِتَابَةُ إنْ طَلَبَا حُضُورَهُ . وَكَذَلِكَ بَذْلُ الْمَالِ لِلْأَقَارِبِ , فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ صِلَةٌ لَهُمْ ; لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ , وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ , وَصِلَةٌ } وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْحَنَفِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْغَنِيَّ لَا تَحْصُلُ صِلَتُهُ بِالزِّيَارَةِ لِقَرِيبِهِ الْمُحْتَاجِ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى بَذْلِ الْمَالِ لَهُ . وَيَدْخُلُ فِي الصِّلَةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ مِمَّا تَتَأَتَّى بِهِ الصِّلَةُ