حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الصِّلَةِ: 10 - فِي صِلَةِ الرَّحِمِ حِكَمٌ جَلِيلَةٌ , عَبَّرَ عَنْ أَهَمِّهَا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ , أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ } وَمِنْ الْفَوَائِدِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْفُقَهَاءُ: رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ , وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْأَرْحَامِ . وَمِنْهَا زِيَادَةُ الْمُرُوءَةِ , وَزِيَادَةُ الْأَجْرِ بَعْدَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كُلَّمَا ذَكَرُوا إحْسَانَهُ .
( قَطْعُ الرَّحِمِ ) : 11 - بَيَّنَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَا يَكُونُ بِهِ قَطْعُ الرَّحِمِ , وَوَافَقَهُ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ رَأْيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: الْإِسَاءَةَ إلَى الْأَرْحَامِ . الثَّانِيَ: يَتَعَدَّى إلَى تَرْكِ الْإِحْسَانِ , فَقَطْعُ الْمُكَلَّفِ مَا أَلِفَهُ قَرِيبُهُ مِنْهُ مِنْ سَابِقِ الصِّلَةِ وَالْإِحْسَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ رَحِمَهُ , وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضُهُمْ كَبِيرَةً كَمَا سَبَقَ . وَالْأَعْذَارُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ نَوْعِ الصِّلَةِ , فَعُذْرُ تَرْكِ الزِّيَارَةِ ضَبَطَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِالْعُذْرِ الَّذِي تُتْرَكُ بِهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ , بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ كَبِيرَةٌ , وَإِنْ كَانَتْ الصِّلَةُ بِبَذْلِ الْمَالِ , فَلَمْ يَبْذُلْهُ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ , أَوْ فَقْدِهِ , أَوْ قَدَّمَ غَيْرَ الْقَرِيبِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ الشَّرْعِ , كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا . وَعُذْرُ الْمُرَاسَلَةِ وَالْكِتَابَةِ أَلَّا يَجِدَ مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي أَدَاءِ الرِّسَالَةِ . وَمِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي زَادَهَا الْمَالِكِيَّةُ تَكَبُّرُ الْقَرِيبِ الْغَنِيِّ عَلَى قَرِيبِهِ الْفَقِيرِ , فَلَا صِلَةَ عَلَى الْفَقِيرِ حِينَئِذٍ .
حُكْمُ قَطْعِ الرَّحِمِ: 12 - قَطْعُ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِوَصْلِهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ , لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ { وَاَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } .
تَقْدِيمُ الْأَرْحَامِ فِيمَا يَلْزَمُ الْمَيِّتَ: 13 - أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمَيِّتِ مِنْ غُسْلٍ وَصَلَاةٍ عَلَيْهِ , وَدَفْنٍ . إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَدِّمُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْأَقَارِبِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْوَصِيَّ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَفِي الْغُسْلِ وَالدَّفْنِ , وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مُصْطَلَحِ الْجَنَائِزِ .
الْهِبَةُ لِلْأَرْحَامِ: 14 - لَوْ وَهَبَ إنْسَانٌ لِرَحِمِهِ , وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ , فَفِي غَيْرِ الْفُرُوعِ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ بِاتِّفَاقٍ , أَمَّا الْفُرُوعُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِمْ ثَلَاثَةُ آرَاءٍ: أ - مَنْعُ الرُّجُوعِ , وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ , لِحَدِيثِ الْحَاكِمِ مَرْفُوعًا: { إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا } وَصَحَّحَهُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . ب - جَوَازُ الرُّجُوعِ لِلْأَبِ وَلِسَائِرِ الْأُصُولِ , إذَا بَقِيَ الْمَوْهُوبُ فِي سُلْطَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ , وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ , لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: { لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ } . وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ , إنْ سَوَّى بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ . ج - جَوَازُ الرُّجُوعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ غَيْرِهِمَا , وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ , غَيْرَ أَنَّ الْأُمَّ لَا تَعْتَصِرُ ( تَرْجِعُ ) إلَّا مِنْ الْكَبِيرِ الْبَالِغِ , وَمِنْ الصَّغِيرِ إنْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا , فَإِنْ تَيَتَّمَ بَعْدَ الْهِبَةِ فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ , وَهَذَا مَا لَمْ يَقُلْ الْوَاهِبُ: هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى , أَوْ يَجْعَلُهَا صِلَةَ رَحِمٍ , فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ . وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ كَالْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ , وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمِّ , لَكِنْ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ . وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلَاتٌ أُخْرَى فِي أَصْلِ الْحُكْمِ وَمُسْتَثْنَيَاتِهِ يُرْجَعُ إلَيْهَا فِي ( الْهِبَةِ ) .