وإن قتل المحرم الصيد (116) عامدا لقتله ذاكرا لإحرامه أو لأنه في الحرم فهو عاص لله تعالى وحجه باطل وعمرته كذلك للآية السابقة، وهو قول الله عز وجل: ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم (( 117) 0
فلو أمر محرم حلالا (118) بالتصيد فإن كان ممن يطيعه ويأتمر له، فالمحرم هو القاتل للصيد فهو حرام ولو اشترك حلال ومحرم في قتل صيد كان ميتة لا يحل أكله، لأنه لم تصح فيه الذكاة خالصة، ولا يحل لأحد (119) قطع شىء من شجر الحرم بمكة والمدينة ولا شوكة فما فوقها ولا من حشيشه حاشا الأذخر عن برهان ذلك ما روى عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:"إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلى ولم يحل لى إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها".
قال العباس رضى الله عنه: يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم (120) ولبيوتهم.
فقال: إلا الأذخر. ويجوز للمحرم (121) أن يلتحفه بما شاء من كساء أو ملحفة أو رداء، ويتزر ويكشف رأسه ويلبس نعليه.
فإن كانت امرأة فلتلبس ما شاءت من كل ما ذكرنا لأنه لا يلبسه الرجل، وتغطى رأسها، لكن إما أن تكشف وجهها وإما أن تسدل عليه ثوبا من فوق رأسها فذلك لها إن شاءت، ولها أن تلبس الخفاف والمعصفر فإن لم يجد الرجل إزارا فليلبس السراويل كما هى، وأن لم يجد نعلين فليقطع خفيه تحت الكعبين ولابد، ويلبسهما كذلك.
ولا بأس أن يغطى الرجل وجهه بما هو ملتحف به أو بغير ذلك، ولا كراهة في ذلك، ولا بأس أن تسدل المرأة الثوب من على رأسها على وجهها.
أما المرأة فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نهاها عن النقاب، ولا يسمى السدل نقابا، فإن كان البرقع يسمى نقابا لم يحل لها لباسه (122) لحديث ابن عمر- رضى الله عنه- السابق"ما يلبس المحرم... إلخ"ويجوز للمحرم الجدال في واجب وحق في الإحرام (123) قال الله عز وجل: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين (( 124) . ومن جادل في طلب حق له فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى، وسعى في إظهار الحق والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حق لغيره أو لله عز وجل. وجائز للمحرمين من الرجال والنساء أن يتظلوا في المحامل إذا نزلوا، والكلام مع الناس (125) في الطواف جائز، وذكر الله أفضل لأن النص لم يأت يمنع من ذلك.
وقال الله تعالى: ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم (( 126) ، فما لم يفصل تحريمه فهو حلال.
ومن تصيد صيدا (127) فقتله وهو محرم بعمرة أو بقران أو بحجة تمتع ما بين أول إحرامه إلى دخول وقت رميه جمرة العقبة أو قتله محرم أو محل في الحرم، فإن فعل ذلك عامدا لقتله غير ذاكر لإحرامه أو لأنه في الحرم أو غير عامد لقتله سواء كان ذاكرا لإحرامه أو لم يكن فلا شىء عليه، وذلك الصيد جيفة لا يحل أكله (128) وحلال للمحرم ذبح ما عدا الصيد مما يأكل الناس من الدجاج والأوز المتملك والبرك المتملك وهو طائر من طيور الماء) والحمام المتملك والإبل والبقر والغنم والخيل وكل ما ليس صيدا ،الحل والحرم سواء، وهذا لا خلاف فيه من أحد.
وكذلك يذبح كل ما ذكرنا الحلال في الحرم بلا خلاف أيضا، والنص لم يمنع من ذلك.
وجائز للمحرم (129) فى الحل والحرم وللمحل في الحرم والحل قتل كل ما ليس بصيد من الخنازير والأسد والسباع والقمل والبراغيث وقردان بعيره أو غير بعيره والحلم ( القراد العظيم) كذلك، ونستحب لهم قتل الحيات والفيران والحدأة والغربان والعقارب والكلاب العقورة صغار كل ذلك وكباره سواء، وكذلك الوزغ وسائر الهوام، فإن قتل ما نهى عن قتله من هدهد أو صرد أو ضفدع أو نمل فقد عمى، برهان ذلك ما ذكرنا أن الله عز وجل أباح قتل ما ذكرنا ثم لم ينه المحرم إلا عن قتل الصيد فقط ولا نهى إلا عن صيد الحرم فقط.
وجائز للمحرم (130) دخول الحمام والتدلك وغسل رأسه بالطين والخطمى والاكتحال والتسويك والنظر في المرآة وشم الريحان وغسل ثيابه وقص أظفاره وشاربه ونتف إبطه والتنور ولا حرج في شىء من ذلك ولا شىء عليه فيه لأنه لم يأت في منعه من كل ما ذكرنا قرآن ولا سنة.
وكل ما صاده (131) المحل في الحل فأدخله الحرم أو وهبه لمحرم أو اشتراه محرم فحلال للمحرم ولمن في الحرم ملكه وذبحه وأكله. وكذلك من أحرم وفى يده صيد قد ملكه قبل ذلك أو في منزله قريبا أو بعيدًا أو في قفص معه فهو حلال له كما كان كله وذبحه وملكه وبيعه.وإنما يحرم عليه ابتداء التصيد للصيد وتملكه وذبحه حينئذ، فلو ذبحه لكان ميتة ولو أنتزعه حلال من يده لكان للذى انتزعه ولا يملكه المحرم، وإن أحل إلا بأن يتحدث له تملكا بعد إحلاله، برهان ذلك أن الله تعالى قال ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما (( 132) .