واستدلّوا لذلك بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } إلى قوله { وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ } . فقد دلّت الآيات على أنّ الصّوم عزيمة والإفطار رخصة ، ولا شكّ في أنّ العزيمة أفضل ، كما تقرّر في الأصول ، قال ابن رشد: ما كان رخصةً ، فالأفضل ترك الرّخصة . وبحديث أبي الدّرداء المتقدّم قال: » خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ، في حرّ شديد ... ما فينا صائم إلاّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعبد اللّه بن رواحة « .
وقيّد الحدّاديّ ، صاحب الجوهرة من الحنفيّة ، أفضليّة الصّوم - أيضًا - بما إذا لم تكن عامّة رفقته مفطرين ، ولا مشتركين في النّفقة ، فإن كانوا كذلك ، فالأفضل فطره موافقةً للجماعة .
ومذهب الحنابلة ، أنّ الفطر في السّفر أفضل ، بل قال الخرقيّ: والمسافر يستحبّ له الفطر قال المرداويّ: وهذا هو المذهب .
وفي الإقناع: والمسافر سفر قصر يسنّ له الفطر . ويكره صومه ، ولو لم يجد مشقّةً . وعليه الأصحاب ، ونصّ عليه ، سواء وجد مشقّةً أو لا ، وهذا مذهب ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم وسعيد والشّعبيّ والأوزاعيّ .
واستدلّ هؤلاء بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: » ليس من البرّ الصّوم في السّفر « وزاد في رواية: » عليكم برخصة اللّه الّذي رخّص لكم فاقبلوها « .
قال المجد: وعندي لا يكره لمن قوي ، واختاره الآجرّيّ .
قال النّوويّ والكمال بن الهمام: إنّ الأحاديث الّتي تدلّ على أفضليّة الفطر ، محمولة على من يتضرّر بالصّوم ، وفي بعضها التّصريح بذلك ، ولا بدّ من هذا التّأويل ، ليجمح بين الأحاديث ، وذلك أولى من إهمال بعضها ، أو ادّعاء النّسخ ، من غير دليل قاطع .
والّذين سوّوا بين الصّوم وبين الفطر ، استدلّوا بحديث عائشة رضي الله عنها: » أنّ حمزة بن عمرو الأسلميّ رضي الله تعالى عنه قال للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أأصوم في السّفر ؟ - وكان كثير الصّيام - فقال: إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر « .
انقطاع رخصة السّفر:
61 -تسقط رخصة السّفر بأمرين اتّفاقًا:
الأوّل: إذا عاد المسافر إلى بلده ، ودخل وطنه ، وهو محلّ إقامته ، ولو كان دخوله بشيء نسيه ، يجب عليه الصّوم ، كما لو قدم ليلًا ، أو قدم قبل نصف النّهار عند الحنفيّة .
أمّا لو قدم نهارًا ، ولم ينو الصّوم ليلًا ، أو قدم بعد نصف النّهار - عند الحنفيّة ، ولم يكن نوى الصّوم قبلًا - فإنّه يمسك بقيّة النّهار ، على خلاف وتفصيل في وجوب إمساكه . الثّاني: إذا نوى المسافر الإقامة مطلقًا ، أو مدّة الإقامة الّتي تقدّمت في شروط جواز فطر المسافر في مكان واحد ، وكان المكان صالحًا للإقامة ، لا كالسّفينة والمفازة ودار الحرب ، فإنّه يصير مقيمًا بذلك ، فيتمّ الصّلاة ، ويصوم ولا يفطر في رمضان ، لانقطاع حكم السّفر . وصرّحوا بأنّه يحرم عليه الفطر - على الصّحيح - لزوال العذر ، وفي قول يجوز له الفطر، اعتبارًا بأوّل اليوم .
قال ابن جزيّ: إنّ السّفر لا يبيح قصرًا ولا فطرًا إلاّ بالنّيّة والفعل ، بخلاف الإقامة ، فإنّها توجب الصّوم والإتمام بالنّيّة دون الفعل .
وإذا لم ينو الإقامة لكنّه أقام لقضاء حاجة له ، بلا نيّة إقامة ، ولا يدري متى تنقضي ، أو كان يتوقّع انقضاءها في كلّ وقت ، فإنّه يجوز له أن يفطر ، كما يقصر الصّلاة .
قال الحنفيّة: ولو بقي على ذلك سنين .
فإن ظنّ أنّها لا تنقضي إلاّ فوق أربعة أيّام عند الجمهور ، أو خمسة عشر يومًا عند الحنفيّة، فإنّه يعتبر مقيمًا ، فلا يفطر ولا يقصر ، إلاّ إذا كان الفرض قتالًا - كما قال الغزاليّ- فإنّه يترخّص على أظهر القولين ، أو دخل المسلمون أرض الحرب أو حاصروا حصنًا فيها ، أو كانت المحاصرة للمصر على سطح البحر ، فإنّ لسطح البحر حكم دار الحرب .
ودليل هذا: » أنّه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصّلاة « ويلاحظ أنّ الفطر كالقصر الّذي نصّوا عليه في صلاة المسافر ، من حيث التّرخّص ، فإنّ المسافر له سائر رخص السّفر .
ثالثًا: الحمل والرّضاع:
62 -الفقهاء متّفقون على أنّ الحامل والمرضع لهما أن تفطرا في رمضان ، بشرط أن تخافا على أنفسهما أو على ولدهما المرض أو زيادته ، أو الضّرر أو الهلاك ، فالولد من الحامل بمنزلة عضو منها ، فالإشفاق عليه من ذلك كالإشفاق منه على بعض أعضائها . قال الدّردير: ويجب - يعني الفطر - إن خافتا هلاكًا أو شديد أذىً ، ويجوز إن خافتا عليه المرض أو زيادته .
ونصّ الحنابلة على كراهة صومهما ، كالمريض .
ودليل ترخيص الفطر لهما: { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وليس المراد من المرض صورته ، أو عين المرض ، فإنّ المريض الّذي لا يضرّه الصّوم ليس له أن يفطر ، فكان ذكر المرض كنايةً عن أمر يضرّ الصّوم معه ، وهو معنى المرض ، وقد وجد هاهنا ، فيدخلان تحت رخصة الإفطار .
وصرّح المالكيّة بأنّ الحمل مرض حقيقةً ، والرّضاع في حكم المرض ، وليس مرضًا حقيقةً. وكذلك ، من أدلّة ترخيص الفطر لهما ، حديث أنس بن مالك الكعبيّ رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: » إنّ اللّه وضع عن المسافر الصّوم وشطر الصّلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصّوم أو الصّيام « وفي لفظ بعضهم: » عن الحبلى والمرضع « .