فهرس الكتاب

الصفحة 1391 من 2053

وإطلاق لفظ الحامل يتناول - كما نصّ القليوبيّ - كلّ حمل ، ولو من زنىً وسواء أكانت المرضع أمًّا للرّضيع ، أم كانت مستأجرةً لإرضاع غير ولدها ، في رمضان أو قبله ، فإنّ فطرها جائز ، على الظّاهر عند الحنفيّة ، وعلى المعتمد عند الشّافعيّة ، بل لو كانت متبرّعةً ولو مع وجود غيرها ، أو من زنىً ، جاز لها الفطر مع الفدية .

وقال بعض الحنفيّة ، كابن الكمال والبهنسيّ: تقيّد المرضع بما إذا تعيّنت للإرضاع ، كالظّئر بالعقد ، والأمّ بأن لم يأخذ ثدي غيرها ، أو كان الأب معسرًا ، لأنّه حينئذ واجب عليها ، لكن ظاهر الرّواية خلافه ، وأنّ الإرضاع واجب على الأمّ ديانةً مطلقًا وإن لم تتعيّن ، وقضاءً إذا كان الأب معسرًا ، أو كان الولد لا يرضع من غيرها .

وأمّا الظّئر فلأنّه واجب عليها بالعقد ، ولو كان العقد في رمضان ، خلافًا لمن قيّد الحلّ بالإجارة قبل رمضان .

كما قال بعض الشّافعيّة كالغزاليّ: يقيّد فطر المرضع ، بما إذا لم تكن مستأجرةً لإرضاع غير ولدها ، أو لم تكن متبرّعةً ، لكن المعتمد المصحّح عندهم خلافه ، قياسًا على السّفر فإنّه يستوي في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه ، وغرض غيره ، بأجرة وغيرها .

رابعًا: الشّيخوخة والهرم:

63 -وتشمل الشّيخوخة والهرم ما يلي:

الشّيخ الفاني ، وهو الّذي فنيت قوّته ، أو أشرف على الفناء ، وأصبح كلّ يوم في نقص إلى أن يموت .

المريض الّذي لا يرجى برؤه ، وتحقّق اليأس من صحّته .

العجوز ، وهي المرأة المسنّة .

قال البهوتيّ: المريض الّذي لا يرجى برؤه في حكم الكبير .

وقيّد الحنفيّة عجز الشّيخوخة والهرم ، بأن يكون مستمرًّا ، فلو لم يقدرا على الصّوم لشدّة الحرّ مثلًا ، كان لهما أن يفطرا ، ويقضياه في الشّتاء .

ولا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يلزمهما الصّوم ، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه ، وأنّ لهما أن يفطرا ، إذا كان الصّوم يجهدهما ويشقّ عليهما مشقّةً شديدةً .

قال ابن جزيّ: إنّ الشّيخ والعجوز العاجزين عن الصّوم ، يجوز لهما الفطر إجماعًا ، ولا قضاء عليهما .

والأصل في شرعيّة إفطار من ذكر:

أ - قوله تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } فقد قيل في بعض وجوه التّأويل: إنّ ( لا ) مضمرة في الآية ، والمعنى: وعلى الّذين لا يطيقونه .

وقال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: الآية ليست بمنسوخة ، وهي للشّيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كلّ يوم مسكينًا .

والآية في محلّ الاستدلال ، حتّى على القول بنسخها ، لأنّها إن وردت في الشّيخ الفاني - كما ذهب إليه بعض السّلف - فظاهر ، وإن وردت للتّخيير فكذلك ، لأنّ النّسخ إنّما يثبت في حقّ القادر على الصّوم ، فبقي الشّيخ الفاني على حاله كما كان .

ب - والعمومات القاضية برفع الحرج ، كقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .

وموجب الإفطار بسبب الشّيخوخة عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قول عند المالكيّة: وجوب الفدية ، ويأتي تفصيله .

خامسًا: إرهاق الجوع والعطش:

64 -من أرهقه جوع مفرط ، أو عطش شديد ، فإنّه يفطر ويقضي .

وقيّده الحنفيّة بأمرين:

الأوّل: أن يخاف على نفسه الهلاك ، بغلبة الظّنّ ، لا بمجرّد الوهم ، أو يخاف نقصان العقل، أو ذهاب بعض الحواسّ ، كالحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما الهلاك أو على أولادهما .

قال المالكيّة: فإن خاف على نفسه حرّم عليه الصّيام ، وذلك لأنّ حفظ النّفس والمنافع واجب .

الثّاني: أن لا يكون ذلك بإتعاب نفسه ، إذ لو كان به تلزمه الكفّارة ، وقيل: لا .

وألحقه بعض الفقهاء بالمريض ، وقالوا: إنّ الخوف على النّفس في معنى المرض .

وقال القليوبيّ: ومثل المرض غلبة جوع وعطش ، لا نحو صداع ، ووجع أذن وسنّ خفيفة.

ومثّلوا له بأرباب المهن الشّاقّة ، لكن قالوا: عليه أن ينوي الصّيام ليلًا ، ثمّ إن احتاج إلى الإفطار ، ولحقته مشقّة ، أفطر .

قال الحنفيّة: المحترف المحتاج إلى نفقته كالخبّاز والحصّاد ، إذا علم أنّه لو اشتغل بحرفته يلحقه ضرر مبيح للفطر ، يحرم عليه الفطر قبل أن تلحقه مشقّة .

وقال أبو بكر الآجرّيّ من الحنابلة: من صنعته شاقّة ، فإن خاف بالصّوم تلفًا ، أفطر وقضى ، إن ضرّه ترك الصّنعة ، فإن لم يضرّه تركها أثم بالفطر وبتركها ، وإن لم ينتف الضّرر بتركها ، فلا إثم عليه بالفطر للعذر .

65 -وألحقوا بإرهاق الجوع والعطش خوف الضّعف عن لقاء العدوّ المتوقّع أو المتيقّن كأن كان محيطًا: فالغازي إذا كان يعلم يقينًا أو بغلبة الظّنّ القتال بسبب وجوده بمقابلة العدوّ ، ويخاف الضّعف عن القتال بالصّوم ، وليس مسافرًا ، له الفطر قبل الحرب .

قال في الهنديّة: فإن لم يتّفق القتال فلا كفّارة عليه ، لأنّ في القتال يحتاج إلى تقديم الإفطار، ليتقوّى ولا كذلك المرض .

وقال البهوتيّ: ومن قاتل عدوًّا ، أو أحاط العدوّ ببلده ، والصّوم يضعفه عن القتال ، ساغ له الفطر بدون سفر نصًّا ، لدعاء الحاجة إليه .

ولا خلاف بين الفقهاء ، في أنّ المرهق ومن في حكمه ، يفطر ، ويقضي - كما ذكرنا - وإنّما الخلاف بينهم فيما إذا أفطر المرهق ، فهل يمسك بقيّة يومه ، أم يجوز له الأكل ؟

سادسًا: الإكراه:

66 -الإكراه: حمل الإنسان غيره ، على فعل أو ترك ما لا يرضاه بالوعيد .

ومذهب الحنفيّة والمالكيّة ، أنّ من أكره على الفطر فأفطر قضى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت