وحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - » أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكّة عام الفتح فصام حتّى بلغ كراع الغميم ، وصام النّاس معه ، فقيل له: إنّ النّاس قد شقّ عليهم الصّيام ، وإنّ النّاس ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر ، فشرب - والنّاس ينظرون إليه - فأفطر بعضهم ، وصام بعضهم ، فبلغه أنّ ناسًا صاموا ، فقال: أولئك العصاة « .
وحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: » خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكّة ، في شهر رمضان ، فصام حتّى مرّ بغدير في الطّريق ، وذلك في نحر الظّهيرة . قال: فعطش النّاس ، وجعلوا يمدّون أعناقهم ، وتتوق أنفسهم إليه . قال: فدعا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء ، فأمسكه على يده ، حتّى رآه النّاس ، ثمّ شرب ، فشرب النّاس « .
وقالوا: إنّ السّفر مبيح للفطر ، فإباحته في أثناء النّهار كالمرض الطّارئ ولو كان بفعله . وقال الّذين أباحوه من الشّافعيّة: إنّه تغليب لحكم السّفر .
وقد نصّ الحنابلة ، المؤيّدون لهذا الرّأي على أنّ الأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم ، خروجًا من خلاف من لم يبح له الفطر ، وهو قول أكثر العلماء ، تغليبًا لحكم الحضر ، كالصّلاة .
الثّالثة: أن يفطر قبل مغادرة بلده .
وقد منع من ذلك الجمهور ، وقالوا: إنّ رخصة السّفر لا تتحقّق بدونه ، كما لا تبقى بدونه، ولمّا يتحقّق السّفر بعد ، بل هو مقيم وشاهد ، وقد قال تعالى: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } ولا يوصف بكونه مسافرًا حتّى يخرج من البلد ، ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ، ولذلك لا يقصر الصّلاة .
والجمهور الّذين قالوا بعدم جواز الإفطار في هذه الصّورة ، اختلفوا فيما إذا أكل ، هل عليه كفّارة ؟ فقال مالك: لا . وقال أشهب: هو متأوّل وقال غيرهما: يكفّر .
وقال ابن جزيّ: فإن أفطر قبل الخروج ، ففي وجوب الكفّارة عليه ثلاثة أقوال: يفرّق في الثّالث بين أن يسافر فتسقط ، أو لا ، فتجب .
59 -ويتّصل بهذه المسائل في إفطار المسافر: ما لو نوى في سفره الصّوم ليلًا ، وأصبح صائمًا ، من غير أن ينقض عزيمته قبل الفجر ، لا يحلّ فطره في ذلك اليوم عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو وجه محتمل عند الشّافعيّة ، ولو أفطر لا كفّارة عليه للشّبهة .
قال ابن عابدين: وكذا لا كفّارة عليه بالأولى ، لو نوى نهارًا .
وقال ابن جزيّ: من كان في سفر ، فأصبح على نيّة الصّوم ، لم يجز له الفطر إلاّ بعذر ، كالتّغذّي للقاء العدوّ ، وأجازه مطرّف من غير عذر ، وعلى المشهور: إن أفطر ، ففي وجوب الكفّارة ثلاثة أقوال: يفرّق في الثّالث بين أن يفطر بجماع فتجب ، أو بغيره فلا تجب.
لكن الّذي في شروح خليل ، وفي حاشية الدّسوقيّ: أنّه إذا بيّت نيّة الصّوم في السّفر وأصبح صائمًا فيه ثمّ أفطر ، لزمته الكفّارة سواء أفطر متأوّلًا أم لا . فسأل سحنون ابن القاسم ، عن الفرق بين من بيّت الصّوم في الحضر ثمّ أفطر بعد أن سافر بعد الفجر من غير أن ينويه فلا كفّارة عليه ، وبين من نوى الصّوم في السّفر ثمّ أفطر فعليه الكفّارة ؟ فقال: لأنّ الحاضر من أهل الصّوم ، فسافر فصار من أهل الفطر ، فسقطت عنه الكفّارة ، والمسافر مخيّر فيهما ، فاختار الصّوم وترك الرّخصة ، فصار من أهل الصّيام ، فعليه ما عليهم من الكفّارة .
والشّافعيّة في المذهب ، والحنابلة قالوا: لو أصبح صائمًا في السّفر ، ثمّ أراد الفطر ، جاز من غير عذر ، لأنّ العذر قائم - وهو السّفر - أو لدوام العذر - كما يقول المحلّيّ .
وممّا استدلّوا به حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: » ... فصام حتّى مرّ بغدير في الطّريق « .
وحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - » ... فصام حتّى بلغ كراع الغميم « .
قال ابن قدامة: وهذا نصّ صريح ، لا يعرج على ما خالفه .
قال النّوويّ: وفيه احتمال لإمام الحرمين ، وصاحب المهذّب: أنّه لا يجوز ، لأنّه دخل في فرض المقيم ، فلا يجوز له التّرخّص برخصة المسافر ، كما لو دخل في الصّلاة بنيّة الإتمام، ثمّ أراد أن يقصر ، وإذا قلنا بالمذهب ، ففي كراهة الفطر وجهان ، وأصحّهما أنّه لا يلزمه ذلك ، للحديث الصّحيح ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك .
وزاد الحنابلة أنّ له الفطر بما شاء ، من جماع وغيره ، كأكل وشرب ، لأنّ من أبيح له الأكل أبيح له الجماع ، كمن لم ينو ، ولا كفّارة عليه بالوطء ، لحصول الفطر بالنّيّة قبل الجماع ، فيقع الجماع بعده .
صحّة الصّوم في السّفر:
60 -ذهب الأئمّة الأربعة ، وجماهير الصّحابة والتّابعين إلى أنّ الصّوم في السّفر جائز صحيح منعقد ، وإذا صام وقع صيامه وأجزأه .
وروي عن ابن عبّاس وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنّه غير صحيح ، ويجب القضاء على المسافر إن صام في سفر . وروي القول بكراهته .
والجمهور من الصّحابة والسّلف ، والأئمّة الأربعة ، الّذين ذهبوا إلى صحّة الصّوم في السّفر، اختلفوا بعد ذلك في أيّهما أفضل ، الصّوم أم الفطر ، أو هما متساويان ؟
فمذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة ، أنّ الصّوم أفضل ، إذا لم يجهده الصّوم ولم يضعفه ، وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة بأنّه مندوب .
قال الغزاليّ: والصّوم أحبّ من الفطر في السّفر ، لتبرئة الذّمّة ، إلاّ إذا كان يتضرّر به . وقيّد القليوبيّ الضّرر بضرر لا يوجب الفطر .