الصفحة 54 من 57

وأمَّا شبهة؛ الأمن

فيُقال فيها:

أولًا: الأمن مطلبٌ شرعيٌّ، وهو نعمةٌ من نعم الله على عباده، وامتنَّ الله بها على قريشٍ فقال: {أولم يروا أنَّا جعلنا حرمًا آمنًا} ، {الَّذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ} ، ووعد بها المؤمنين: {الَّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون} .

ثانيًا: لا يكون الأمن إلاَّ بحفظ الضروريات الخمس التي اجتمعت عليها الأديانُ، وأهمُّ هذه الضروريَّات وأولاها حفظ الدينِ، فليس لأحدٍ إغفال الأمن الديني عند الحديث عن الأمن، فمتى لم يأمن الإنسان على دينِه، لم يكن آمنًا ولم يكن ما هو فيه أمنًا.

ثالثًا: لا يمكن تحصيل الأمن بغير الطرق الشرعيَّة، فقد جعل الله الأمن للَّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ، فمن أراد أن يحصِّل الأمن بغير الإيمان فقد ضلَّ السبيل، فضلًا عمّن يطالب بترك الإيمان لأجل الأمنِ.

رابعًا: الأمن نعمةٌ من نعم الله الدنيويَّة، ومثله العافية والسلامة من الآفات والأدواء، ولو فرض تعارض الأمنِ مع شيءٍ من الواجبات الشرعية وجب تقديم الواجب الشرعيِّ، كما أنَّ الجهاد لا يسقط لاحتمال الجراحات فيه، ولا شكَّ أنَّ الجراحة من فقدان نعمة السلامة والعافية البدنيَّة، والاحتجاج بالأمن والمحافظة عليه من طريقة مشركي قريشٍ {وقالوا إن نتَّبع الهُدى معك نُتخطَّفْ من أرضِنا أولم نمكّن لهم حرمًا آمنًا يُجبى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ رزقًا من لدنّا ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} ، وأتبعَ سبحانه هذه الآية بقوله: {وكم أهلكنا من قريةٍ بطِرت معيشتَها فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدِهم إلاّ قليلًا وكُنَّا نحنُ الوارثينَ} .

وقال سُبحانه: {والفتنةُ أشدُّ من القتلِ} ، مع كون القتلِ من أكبر صور ذهاب الأمنِ، ولكنَّ الفتنة التي هي الشركُ ومنه الحكم بغير ما أنزل الله أكبرُ منه، والعاقل فضلًا عن العالم يعلم أنَّ أدنى المفسدتين ترتكب لدفع الأعلى، خاصةً وقد نصَّ على ترجيح إحداهما على الأخرى.

ولا بدَّ للإنسان من المرور بالخوف كما قال تعالى: {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين} ، وإذا بُعث الرسل إلى أُممهم كان أمام من آمن منهم البلاءُ والامتحان يعقبهما اليُسر والفرج، وأمام من لم يُؤمن العذاب والبلاء، يعقبه خزي الآخرة ولعذاب الآخرة أخزى.

بل إنَّ ما يشتكيه كثيرٌ اليوم من ذهاب الأمن إذا استجابوا لله والرسول، وموازنتهم بين الأخذ بفريضة الجهاد، والركون إلى الدعة والأمن، هو عين الابتلاء المذكور، فمن يُبتلون بالخوف لا يكون لابتلائهم معنىً إن لم يكن الأمن متخايلًا لهم في طريق الضلالة إن هم سلكوه.

وقد ذاق الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوف مرارًا، حتى كان من أخبارهم في أحد والخندق وغيرها ما كان، وثبتوا وصبروا لعلمهم بأمر الله وحكمه، وعاقبة الاستجابة له والامتثال لأمره.

ولمَّا نوزع أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه في إخراج الجيوش من المدينة، وبقاء المدينة بلا حاميةٍ تحميها، قال قولته المشهورة: والله لو أخذت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما تركت إنفاذ الجيش، أو كما قال رضي الله عنه.

خامسًا: ما يُتشدَّق به من الحديث عن واقع الأمن في بلاد الحرمين، لا نصيب له من الصحَّة في الواقع، وإن كان من لا يعتمد إلاَّ الإعلام الرسميَّ في مصادره يوشك أن يتوهَّم ذلك، ولا يمكن أن يكون الأمن في بلدٍ لا يُحكم فيها بشرع الله أبدًا، بل الحصرُ والعمومُ في قوله تعالى: {أولئك لهم الأمنُ} ، دالٌّ على انحصار الأمن فيهم، وعلى شمول ذلك لكل الأمن في الدنيا والآخرة.

والواقع في بلاد الحرمين يؤكِّد ذلك، فالأمن الدينيًُّ مفقودٌ في ظلِّ تعطيل الشريعة وتحكيم القوانين، ودخول الرشاوى والشفاعات فيما يُطبَّق من الشريعة في المحاكم، ومع وجود وسائل الإعلام التي تنقل الفجور والفسوق حتى تدخل بها البيوت.

والأمن على الأعراض تتنازعه الذئاب، ومن نظر في شيءٍ مما يرد على الهيئات، أبكاه ما يرى وهاله ما يسمع من البلايا التي تحدث ويستمريها كثير من الناس، ونحن نرى خطوات الطواغيت في الدمج وبطاقة المرأة وتصويرها، وما يقع من جرائم تحت شعارات بعض الجمعيات النسائية المشبوهة.

والأمن على الأموال وغيره، وسائر أنواع الأمن مما يكاد يفقد في كثير من المناطق، ويتناقص في المناطق الأخرى، ولا يقول أحد إن بلدًا من البلاد زاد فيه الأمن في السنين الأخيرة يومًا واحدًا عما كان عليه قبله، بل الحال في هذا الجانب على رداءتها تزداد كل يومٍ رداءةً، نسأل الله أن يُصلح الحال.

ومن أراد أن يعرفَ طرفًا من هذا الباب، فليسأل من هو قريبٌ من الواقع في الهيئات أو الشُّرط، حتّى إنَّ كثيرًا من القضايا الكبيرة، سواءٌ في الجنايات أو في غيرها، صارت تعدّ قضايا صغيرة، ولا تُسجَّل أصلًا، ولا يُعمل على علاجها والنظر فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت