فقد استدلَّ كلٌّ من الخضير والفهد والخالدي على منع دفع الصائل من رجال المباحثِ، بما ذكره ابن المنذر حين قال: وأهل العلم كالمجمِعين على استثناء السلطان مما جاء في دفع الصائل.
وأولُ ما يُقال في هذه الشبهة:
أنَّ محلّ كلام ابن المنذر؛ السلطان المسلم لا الكافر، والكافر يجوز ابتداؤه بالقتالِ فضلًا عن دفعِهِ إذا صالَ، وطواغيت الجزيرة كفرةٌ مرتدّون بأدلةٍ لا يستطيع المخالف دفعها أو الجواب عنها.
ويُقال بعد ذلكَ:
إنَّ ابن المنذرِ معروفٌ بتساهله في الإجماعِ، وذلك معروفٌ عنه فلا يكاد يسلمُ نصفُ ما يحكيه من إجماعات، ومن الإجماعات التي يحكيها ما فيه خلافٌ مشهورٌ، ولا يُمكن تقديم إجماعٍ يحكيه ابن المنذرِ على عموم الحديث حين جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن جاءني رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال فإن قاتلني؟ قال: فقاتله، والحديث دالٌّ على العموم من وجوهٍ، منها ترك الاستفصالِ في مقام الاحتمال، وهذا منزّلٌ منزلة العموم في المقال، ومنها أنَّ قوله رجلٌ نكرةٌ في سياق شرطٍ، وهو أيضًا نكرةٌ في سياق استفهامٍ، وكلا هذين مفيدٌ للعموم.
فالعموم الظاهر الَّذي هو بهذه او بهذه المنزلةِ، لا يُعترض عليه بإجماع ابن المنذر وابن المنذر معروفٌ بتساهله في حكاية الإجماع، هذا لو كان ابن المنذر حكى الإجماع صريحًا، فكيف وهو يقول كالمُجمعين، ولم يجعله إجماعًا؟
وقد ثبتَ أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، لمَّا أرادَ عنبسة بن أبي سفيان وكان واليًا لمعاوية - عنه - أن يجري عين ماءٍ في أرض عبد الله ليوصلها إلى أرض عنبسة أبى عبد الله بن عمرو، وركب هو وغلمانه وقال والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منَّا أحد، ولمَّا كلَّمه خالد بن سعيد بن العاص في ذلك احتجَّ عليه بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم:"من قُتل دون ماله فهو شهيدٌ"، فهذا فهم صحابيٍّ وعمله بالحديث وهو موافقٌ لعمومه الَّذي لا مُخصِّص له ولم يُنقل خلافُه عن غيرِه من الصحابة.
ولو تُنزّل مع الخصم وفُرض جدلًا أنَّ الاستثناء الَّذي ذكره ابن المنذر صحيحٌ، وأنَّ قوله كالإجماع كحكايته الإجماع الصريح، وأنَّ إجماعاته مقبولةٌ يُستدلُّ بها على تخصيص الحديثِ، وأنَّ اسم السلطان يشمل المسلم والكافِر، لو سُلِّم بكلِّ هذا وأعرضنا عن عموم الحديث، وعن عمل عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنه الَّذي لم يُخالفه أحدٌ من الصحابة.
لو تُنزِّل في كلِّ هذا؛ فمحلُّه ولا ريبَ من أراد السلطان العدوان على مالِهِ، ولا يقول أحدٌ بمثل ذلك في عرضِهِ، وأهل العلم حين فرّقوا بين العرض والمال في وجوب الدفع في الأوَّل وجوازه في الثاني دون وجوبٍ على الأصحّ، علَّلوا ذلك بأنَّ المال يجوز بذلُهُ ابتداءً بخلاف العرض، وهذه العلَّة بعينها موجودةٌ في النفسِ، فإن جازَ له الدفعُ عن العِرضِ الَّذي لا يجوز بذله ولو كان الصائل سلطانًا، فإنَّ الدفع عن النفسِ جائزٌ لأنَّها كالمال لا يجوزُ بذلُها ابتداءً، ولولا النصوص في الباب لقيلَ بوجوبِ الدفع عن النفسِ كما يُدفع عن العرض، ولكنَّ النصوص فرَّقت بينهما في حكم الوجوب لعلَّةٍ أطال الفقهاء الكلام فيها.
هذا والصواب كما تقدَّم أنَّ كلام ابن المنذر في السلطان المسلم دون الكافر، وهو غيرُ مسلَّمٍ حتَّى في السلطان المسلم بل عمل الصحابي وعموم الحديث دالٌّ على مشروعيَّة دفع الصائل ولو كان سلطانًا.
وهذا كلُّه مفروضٌ في صيالِ سلطانٍ كافرٍ على رعيَّته، أمَّا الحال في بلاد الحرمين مع المجاهدين، فهو صيالٌ من الصليبيين وعملائهم على شوكةِ المسلمين وقوّة الإسلامِ، وعمل حثيثٌ دؤوبٌ على استئصال المجاهدينَ برمّتِهِم، وأقلّ أحوالِه اعتقالهم سنين طويلةً لرعايةِ أمنِ الصليبيين في بلاد الحرمين، كما أنَّه في حقِّ المجاهدين العاملين، صيالٌ من كافرٍ على الجهادِ في سبيلِ اللهِ نفسِه وجزءٌ من مدافعةِ من خرج المجاهدون لجهادِهِ أصلًا، وجمعوا ما جمعوا لإقامة أحكام الله فيه، فما الفرقُ بين الصائل عليه ليحول بينه وبين الصليبيين إذا استقبلَ مجمّعاتِهم، والصائلِ عليهِ وهو يعدُّ العدَّةَ لذلك؟ أو للذهاب للجهاد في سبيل الله في العراقِ وغيرِها من ثغور الإسلام؟