للعالم في الشريعة المكان الَّذي لا يخفَى، حتّى استشهده الله على أعظم شهادةٍ فقال {شهدَ اللهُ أنَّه لا إله إلا هو والملائكةُ وأولوا العلم} ، وقال سبحانه: {إنَّما يخشى اللهَ من عبادِهِ العلماءُ} ، وخصَّهم بمزيدٍ من الرفعة في قوله سبحانه: {وإذا قِيْلَ انشُزوا فانشُزُوا يَرفعِ الله الَّذينَ آمنوا مِنكُم والَّذين أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} .
والعلماء ورثة النبوّة، وحرّاس الشريعة، وعلماء هذه الأمَّةِ فيها بمنزلة أنبياء بني إسرائيلَ يسوسونهم ويبصّرونهم بدين الله عزَّ وجلَّ.
والعالم هو المبلِّغ دين الله، المُؤتمنُ على شريعة الله، الموقِّع عن ربِّ العالمين، المكلَّف بتبيان الكتاب للناس.
وأعظم أمانةٍ حُمِّلها أحدٌ أمانةُ العلماء من وراثة الأنبياء والقيامِ في مقامِهِم، فكان لمن أدَّى الأمانة أعظمُ المراتبِ وأجزلُ الثوابِ من الله سبحانَهُ، وكان على من خانَ منهم أشدُّ العقوبة، وله أسوأ الأمثال.
فضرب الله لعالم السوء في كتابِهِ مثَلَي سوءٍ ما ضربَهُما لغير العالم، {واتلُ عليهِم نبأ الَّذي آتيناهُ آياتِنا فانسلخَ منها فأتبعَهُ الشَّيطانُ فكانَ من الغَاوينَ * ولو شِئنا لرفَعناهُ بِها ولكنَّهُ أخلَدَ إلى الأَرضِ واتَّبَعَ هواهُ فمثلُهُ كمثَلِ الكَلبِ إن تَحمِل عليهِ يَلهَثْ أو تَترُكْهُ يَلهَثْ} ، {مثلُ الَّذين حُمِّلوا التَّوراةَ ثُمَّ لم يحملوها كمثلِ الحمارِ يحمِلُ أسفارًا} ، فهم بين صفتي الكلب والحمار.
ولو تأمَّلتَ ما قصَّ الله من ضلالِ بني إسرائيلَ وذمَّه عزَّ وجلَّ لهم، لوجدتَ أكثرَ الذَّمِّ فيهِ لعلمائِهِم وأحبارِهِم، الَّذين افتروا على الله الأكاذيب، واختلقوا الطرائقَ للكذب على الله وتدليس الدين على الناس.
ومن الجهل البالغِ، والبُعدِ عن فهمِ الشريعةِ ونصوصِهَا ومقاصِدِها المطالبةُ بالسُّكوتِ عن كلِّ من سُمِّي عالمًا، والمبالغةُ في تعظيمه وتحريم مراجعته فتاواه، أو الرد عليه فيما أخطأ فيه.
ويلزمُ من يقولُ بهذَا أنَّ عالم السوءِ يجبُ السكوت عنه وتركُهُ يفسد الدين والدنيا، فإن قيلَ عالمُ السُّوءِ خارجٌ من هذا، فلا بدَّ من معرفةِ عالمِ السوءِ من هو، ومعرفة العالم المعيَّنِ هل هو عالمُ سوءٍ أم لا؟ وإن مُنعَ من تتبع ما أعلنَ من أقوال، وما سلك من طرائق، وعرض ذلك على الكتاب والسنّةِ، والحكم عليه بما ينتُجُ من ذلك العرضِ، إن مُنع ذلكَ لم يمكن معرفةُ عالمِ السوء بحال، بل يبقى في الأمة يفتك بدينها وأخلاقِها، ويحرسُ أعداءها، ويزكِّي من ينوي الشر والفساد بها، باسم حرمة العالم ومكانةِ حَمَلَة الشريعة التي هو منها بريء وهي منه براء، ولو أُدخل على قومٍ من ليس منهم في النسب غضبوا ولم يرضوا بذلك ولو كان فاضلًا، فكيف يدخل في صفِّ العلماء من شبَّهه الله بالحمار والكلب.
والعالمُ بمعناه الشرعيِّ الخاصِّ، وهو المعنى المحمود لا يكون إلاَّ صادقًا صادعًا بالحقِّ، ولهذا وصف الله العلماء بخشيتِهِ حقًّا، وذكر ابن القيِّم إجماع السلف على أنّ اسم الفقيه لا يستحقُّه أحدٌ بالعلم دون العمل.
وأمَّا العالم الَّذي يكتُمُ الحقّ، ويلبسُهُ بالباطِلِ، ويصدُّ عن دين اللهِ، فهو وإن كان داخلًا في مطلق اسم العالم، إلاّ أنَّه لا يسوغ تسميته بالعالم إلاّ مقيّدًا فيُقال: عالمُ سوءٍ، وعالمُ ضلالةٍ.
وقد فصَّلَ الله عزَّ وجلَّ في كتابِهِ أحوالَ عُلماء السوء أكثرَ ممّا فصَّل أحوال العلماء الصادقين، لئلاَّ يلتبس عبدُ دنياه المتّخذ دينَه أحبولةً لدنياهُ، بالعالم الَّذي عُلِّقت به الأحكامُ، وفُضِّل على سائر الأنام.
فلا يسوغُ لمن يُؤمن بالله أن يطلق اسم العالم على من ذمَّه الله وحذَّر منه، وأن يعظّمه ويأتمنه على الشريعة والعبادِ، وأماراتُ عالمِ السوء في كتاب الله ظاهرةٌ فمنها:
كتمانُ ما أخذ الله ميثاقَهُ ببيانِهِ كما في قول الله عزَّ وجلَّ: {وإذ أخذَ اللهُ ميثاقَ الَّذين أُوتوا الكتاب لتُبيِّنُنَّه للنَّاسِ ولا تكتُمُونَهُ فنبذُوهُ وراءَ ظُهُورِهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون} ، {إنَّ الَّذين يكتمون ما أنزلنا من البيِّنات والهُدى من بعد ما بيَّنَّاه للناس في الكتاب أولئكَ يلعُنُهم الله ويلعنُهم اللاعنون} .
وقد أشار الله عزَّ وجلَّ إلى عظيم جرم الكاتم لما أنزل الله من البيّنات والهدى بقوله: {من بعدِ ما بيّنّاه للناس} ، فإنَّ من الظلم العظيم أن يحبس عن الناس حقًّا لهم وهم في حاجةٍ إليه، فكيف بالهدى الذي هم أحوجُ إليهِ منهُم إلى الطعام والشراب؟، والله يخبر أنَّه بيّنه للناس في الكتاب ولكنَّ هذا الظالم يكتُمُه، والّذي كتمه هذا الظالم المبدّل بيّناتٌ، وأدلّةٌ وأماراتٌ توضح للناس السبيلَ، وتكشف الشبهة وتنير الطريقَ، وهو هدىً يهديهم به الله إلى ما هو خيرٌ لهم في كل صغيرٍ وكبيرٍ من أمر دُنياهم وآخرتِهِم، فمن كانت هذه جريمته فلا غرو أن يلعَنَهُ الله الذي ائتمنه على الكتاب فخان الأمانة، ولا عجبَ أن يلعنه اللاعنون الَّذين حبسَ عنهم الهدى وكتم عنهم البيّناتِ، وأن تناله لعنةُ كلِّ لاعنٍ؛ إذ ليسَ من معنىً يستوجبُ اللَّعنَ إلاَّ هو فيه.
وبئسَ ما اشترى هذا المشتري الَّذي نبذ كتاب الله وراء ظهرهِ، واستوجب هذه اللعنات العظيمة، وأضلَّ الناس عن علمٍ وعمدٍ، لقاءَ دراهِمَ معدودةٍ، وثمنٍ قليلٍ من الدنيا الزائلةِ.
وأشدُّ من هذا حالُُ الّذين: {يكتُبُون الكتابَ بأيدِيهِم ثمَّ يقُولونَ هذا من عندِ اللهِ ليشتروا به ثمنًا قليلًا} ، و {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسَبُوه من الكتابِ وما هو من الكتابِ ويقولونَ هو من عند اللهِ وما هو من عندِ اللهِ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} .
{ألم تر إلى الَّذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب يُؤمنون بالجبتِ والطَّاغُوتِ ويقولون للَّذين كفروا هؤلاءِ أهدَى من الَّذينَ آمنُوا سبيلًا * أولئكَ الَّذين لعنهُمُ اللهُ ومن يلعنِ اللهُ فلن تجِدَ لهُ نصيرًا} .
{فخَلَفَ من بعدِهِم خلْفٌ ورِثوا الكِتابَ يأخُذُون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولون سيُغفرُ لنا وإن يأتِهِم عَرَضٌ مثلُهُ يأخذُوه، ألم يُؤخذ عليهِم ميثاقُ الكِتابِ أن لا يقُولوا على اللهِ إلاَّ الحقَّ؟ ودرسوا ما فيه، والدَّار الآخرة خيرٌ للَّذين يتّقون، أفلا تعقلون؟} .
{ألم يأنِ للَّذين آمنوا أن تخشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالَّذين أُوتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهِمُ الأمَدُ فقَسَت قُلُوبُهم وكثيرٌ منهم فاسِقُون} .
وهذه مقدّمةٌ بين يدي الحديثِ عن العلماء الرسميِّين في بلاد الحرمينِ، وعن كفايتِهِم المزعومة لقيادة الأمَّة، وتحمّل أمانة وراثةِ النبوَّة.
والمتكلم في الفتيا يحتاج إلى نوعين من الفقه كما تقدَّم، أحدهما الفقه عن الله وفهم نصوص الشريعة، والثاني فقه معرفة الواقع الَّذي تُنزَّل عليه الفُتيا.
وكلا هذين الجانبين ليس للعلماء الرسميِّين منهُ ما تحصلُ به الكفايةُ المزعومةُ، وسأتجنَّبُ الحديثَ عنهم بالأسماء إذ المقصودُ الحديثُ عن صحّة وجود المرجعيَّة العلميَّة الكافية الَّتي ذكرها ناصرٌ الفهد في تراجعه، ولا بدَّ من الحديثِ عن هذا الجانب بوضوحٍ لأهمِّيَّته وخطورةِ مُخادَعَةِ الأُمَّةِ فيهِ، ولا يَقول عاقلٌ بالسُّكوتِ عن حَقِيقةٍ أُنيطت بها أحكامٌ شرعيَّةٌ عظيمَةٌ، فكيف بما كان بهذه المنزلةِ؟، وأوجزتُ الحديثَ عن الكفاية العلميَّة لدى الرسميِّين في معالمَ ثلاثةٍ:
المعلم الأوَّل: القُصُور في مَعْرفَة الأحْكامِ الشرعيَّة.
المعلم الثاني: الجهل بالواقع.
المعلم الثالث: التهرُّب من تنزيل الأحكام الشَّرعيَّة على الواقِع.