تجاوزت فترة الاحتلال الصليبي لبلاد المسلمين المسمى بالاستعمار، وخلَّفت الاستعمار غيرَ المُباشِرِ بوضع العملاء في بلاد المسلمين، وتحكيم الأديان المستوردة عن الغرب مما وضعوه من القوانِين التي يُتحاكم إليها من دون الله، حتّى صارت شريعة البلاد ودين حاكميها وحكوماتِها.
ومن بلاد المسلمين أجزاء محتلَّة من العدو الخارجيّ عسكريًّا، كبلاد أفغانستان، والشيشان، وجملةٍ كبيرةٍ من بلاد الاتحاد السوفيتّيِّ السَّابقِ، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس وما والاه، والعراقِ.
وأمّا العدوان بمعناه الشرعيّ، فجميع بلاد المسلمين اليوم يحكمها أعداء لله مرتدّون عن دينه، مغيّرون لشرعه، موالون لأعدائِهِ، ولا فرق في الشريعة بين العدوّ الوطنيِّ، والعدوِّ الخارجيّ، إذ ميزان الولاء في الإسلام الدينُ لا غير.
وكلّ بلاد المسلمين اليوم تسير في مخطّطات ماسونيَّةٍ من سيّءٍ إلى أسوأ فيما تسير خططهم الإعلامية والسياسية عليه، وإن كان الله يخيّب ظنونهم ويُفسد مساعيَهُم ويتمّ نوره ولو كره الكافرون.
والواجبُ في هذهِ البلادِ أن يُعاد شرع الله ليحكُمَهَا وأن تُشهر سيوف التوحيد لتعبيد البلاد والعباد لرب العباد، وكلُّ فتنةٍ وضررٍ أهونُ من فتنة الكفرِ والحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم القوانين، وإنفاذِ مخطَّطاتِ الصليبيين واليهود في بلاد الإسلام.
وبلادُ الحرمين من بين هذه البلادِ يحكُمها طواغيتُ من أشدّ الطواغيتِ حربًا على الإسلامِ وتبديلًا لشعائره وموالاةً لأعدائِهِ، وقد عاقَهُم عن كثيرٍ مما يُريدون ما في الناس من خيرٍ وتوحيدٍ وحبٍّ للإيمان وكرهٍ للكفر والفسوق والعصيانِ.
واجتنابًا لمعرَّةِ الإنشاءِ أُوثرُ الحديث عن واقع بلاد الحرمين في معالم ثلاثةٍ:
المعلم الأوَّل؛ الإعلام:
من أكثرِ العواملِ تأثيرًا في الناسِ: في فكرِهِم وأخلاقِهِم وعاداتِهِم، وأمور دينِهِم ودُنياهُم: الإعلامُ، والإعلام في بلاد الحرمين - كغيرهِ - إعلامٌ ماسونيٌّ يحمل أمراض الشُّبُهاتِ والشَّهواتِ، فالشُّبهاتُ متمثِّلةٌ في الفكر العلمانيِّ، ومبادئِ العولمة التي تقوم في أصلها على إلغاء الفروق المبنيَّة على الأديان وخصوصيَّات بعض الشعوب والأوطانِ، وتوحيد الناس على ملّةٍ واحدةٍ تعتمد على الحريَّة الغربيَّةِ في السلوكِ والاعتقادِ، فلا يُمنع فاسقٌ من فسوقِه، ولا ضالٌّ مبتدعٌ، فضلًا عن زنديقٍ مرتدٍّ من إظهار الضلالة والدعايةِ إليها، وأمَّا الشهواتُ ففي وسائلِ الإعلامِ من الفسادِ ما لا يحتاج إلى تبيانِهِ، وأبرزُ وسائلِ الإعلام أثرًا في الناس: الصُّحفُ، والشاشات المرئيَّة سواء القنوات الحكومية، والأخرى العالميَّة.
فأمَّا الصُّحُف؛ فهي علمانيَّة التوجُّه، من زعم أنَّ عددًا من صحيفةٍ منها يخلو من منكراتٍ عظيمةٍ وطوامَّ عقديَّةٍ وسلوكيَّةٍ وفقهيَّةٍ فقد كذبَ، بل إنَّها لتغصُّ بالموبقاتِ من استهزاءٍ بالدينِ وتشكيكٍ في ثوابتِهِ، وجحودٍ للمعلوماتِ منه بالضُّرورةِ، وتزيينٍ للفسوقِ ودعايةٍ إليه وحضٍّ عليهِ، فضلًا عن جريمة تعظيم الطواغيتِ والذَّبِّ عنهم بالباطل، وترويج باطلهم ذلك، وحمل الناس على القبول به، وهذا جارٍ منهم في حقِّ طواغيت بلاد الحرمين، وسائر طواغيتِ الأُمم.
وأمَّا الشاشات المرئيَّة؛ فقد كان التلفازُ ملآنَ بالمنكراتِ والكبائرِ والمُوبِقاتِ، من ظهور المتبرّجاتِ المائلاتِ المُميلاتِ، وقصِّ مسلسلات الغرامِ والفسوقِ، مع ظهورِ المُغنِّينَ الماجنينَ فيه وارتفاع أصواتِ المعازِفِ والغناء الَّذي هو بريدُ الزِّنا، حتَّى لم يكد يخلو بيتٌ من هذه الفتنةِ العامَّة، وحتّى استساغها الخاصَّةُ والعامَّة، وحتَّى صارت معروفًا لا يُنكر، وصارَ إنكارُها مُنكَرًا مُستَغربًا عند أكثرِ النَّاسِ.
وكان التلفاز في هذه الحال من أعظم المُنكَرات وآلاتِ نشر الفسادِ، قبل أن يُؤذن بدخول الأطباق الفضائيَّة، أمّا بعد أن أدخلها الطواغيتُ بلاد المسلمين فحدِّث ولا حرج.
وفي هذه الأطباق من المُوبقاتِ ما لا يخفى على أحدٍ، ونشرت من الفسوقِ والفسادِ في عشر سنينَ ما لم يقع عُشْرُهُ في الأزمنةِ المُتطاوِلَةِ من قبلِهِ، حتَّى قصَّ المُحتسبون عظائمَ لولا ثقةُ من يرويها وظهور بعضِ آثارِها ونتائِجِها ما صدَّقَ بها أحدٌ.
ويتبعُ طواغيتَ آلِ سعودٍ وحواشيَهُم قنواتٌ فضائيَّةٌ عديدةٌ، منها كثيرٌ من عفنِ الفضاءِ المنتشرِ فيهِ، حتّى أجاب نايف لمَّا سُئل عن عملية استهدفت قناةً لبنانيَّةً تُسمَّى قناة المستقبل، هل لها صلة بتفجير الرياض وهل هي من عمل القاعدةِ؟ بقوله: ليس هناك ما يدلُّ على أنّ له صلةً بتفجير الرياض، ولكنَّ القاعدة تستهدف جميع المصالح السعودية سواء في الداخل والخارج، وهذا في لقاءٍ معه إثر العمليَّة التي استهدفت مقرّ تلك القناة بُعيد غزوةِ الحادي عشرَ من ربيعٍ الأوَّلِ بشرق الرياض، وقد نُشر الحِوَار في صَحِيْفةِ الرِّياض.
وأمَّا الشُّبُهات فقد شاركت وسائل الإعلامِ السعوديَّة خاصَّة وإعلام طواغيتِ بلاد المسلمين عامَّة في الحملة الصليبيَّةِ على الإرهابِ، وتعاونَت مع الصليبيَّةِ العالميَّةِ على تبديل الدين، وتحريف معالمِهِ لدى كثيرٍ من المسلمين، فطُمست عقيدة الولاء والبراء، وشُوِّهَت صورةُ الجِهادِ، وشُكِّك الناس في قادة الدين وأئمَّته من المجاهدين الصادقين والعلماء الصادعين بالحقِّ الجاهرين به.
المعلم الثاني؛ كُفريَّاتُ الطَّواغيت؛ وسيأتي الحديثُ عنها في الباب الثَّالِث بإذن الله.
المعلم الثالث؛ العدو الصَّليبي المحتل:
والوجودُ الأمريكيُّ في بلاد الحرمينِ وجود احتلالٍ، لم يملك الطواغيت في بلاد الحرمين أوَّلَ الأمرِ إلاَّ الوعد بقرب خروجهم، ثمَّ ادّعوا أنَّهم خرجوا وأنكروا وجودَهم، ثمَّ انطلقت الحملات الصليبية من بلاد الحرمين، فاعترفوا بوجودها وسارعوا بعد انتهاء الحرب الصليبية على العراق بادّعاءِ أنَّهَا خَرَجَت من البلادِ، وما لبثت أمريكا أن اعترفت بعد أن ضرب الأبطال مستوطناتِها في الرياض يوم الحادي عشر من ربيعٍ الأوَّلِ أنَّ الأمريكيين الموجودين في الرياض أربعون ألفًا، ولمَّا ضرب المجاهدون مستوطنة المحيَّا أعلنت وسائل الإعلام أنَّ في الرياض عشرين ألفَ أمريكيٍّ، وفي الباب رسالةٌ نافعةٌ للعالم الشهيد يوسفَ العييريِّ رحمه الله عنوانها:"التواجد الصليبي في الجزيرة العربية".
وهم مع ذلك باقون، ولن يخرج العدوُّ من أرضٍ استولَى عليهَا حتَّى تُخرجهُ القوَّة، ولن يرفع يده عن بلدٍ احتلَّها إلاَّ بالجهادِ في سبيل الله، ولا يكون ما نريده إلاَّ بالمدافعة بالسيف والسنان التي هي من سنن الله الكونيَّةِ، ومن أوامِرِه الشَّرعيَّةِ.