ما يُطلب من فقه الواقع
توسَّع بعض الناس في فقه الواقع، حتَّى ذكر أحد الوعَّاظ أنَّه تابع قصَّة وقعَت في الغربِ عشر سنين! في الصحف، وهذا من ضياع الأعمار والأوقات فيما لا نفع فيه، وإن لبّس الشيطان له أنَّ فيه نفعًا للأمَّة، وأنَّه ما ينقص المسلمين، وقُصارى الأمر عند هؤلاء أنَّه يُتابع القصَّة والحادثة ليرويها في محاضرةٍ له مستدلاًّ بها على الفساد لدى الغرب مما هو معلومٌ متقرِّرٌ بغير حاجةٍ إلى أن يُضيعَ عُمُره في تقفُّرِ أخبارِهِ، ولو اكتفى منه بتقريرٍ في صحيفةٍ أو مقالٍ عثر عليه لكان كافيًا مجزيًا لا يدخل عليه منه نقصٌ.
ومن الناس من توسَّع فقرأ وتابع كلَّ ما لا ينفعُ من كلام الغرب وصحفهم ومقالاتِهم حتَّى صار فهمه لها وإحاطته وعلمه بها أكثر مما يعرِف من كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحتَّى بدا منه من الجهل بدين الله ما لو عكف باقي عمره على علاجه لكان خيرًا له، فصار عامِّيًّا كغيرِهِ من العامَّة لا يزيد عنهم بعلمٍ إلاَّ علمَ ما لا ينفعُ.
وقد رأيتُ من الشباب من اشتغل بذلك أولَ اشتغاله بالطلب، وصرف فيه وقتَهُ ومنهم من ناصحتُ في ذلك فاحتجَّ بما يسمعه لبعض الدعاة عن أهمِّيَّةِ فقهِ الواقعِ، وما زال على ذلكَ حتَّى فوَّت زمان الطلب، وتكاثرت عليه الأشغال فلم يحصِّل علمًا نافعًا، ولا اشتغل بغير العلم مما ينفعُهُ في أمر دنياه ودينه.
والمطلوب شرعًا من فقه الواقع، هو ما تعلَّق به الأحكام، ومعناه تلمّس الأوصاف التي تكون مظنَّةَ مناطاتِ الأحكامِ في المسألةِ المعيّنة، ومعرفة الأصول العامة للعلوم والمعارف البشرية التي يحتاج إليها مما لا يمكن تصور مسائل هذا العلم المُحتاج إليه في الأحكام إلاَّ به.