الصفحة 29 من 57

يأتي في الحديث عن واقع العلماء والمنتسبين إلى العلم أهمية أنَّ بيان الحقِّ وأداء الأمانة لا يكون إلاَّ بتنزيل الأحكام على الوقائع، ولا بدَّ في تنزيلِ الحكم على الواقع من معرفة الواقع نفسِهِ والإحاطةِ بهِ، فإذا علِّقَت الأحكام بفعلٍ أو عينٍ أو وصفٍ أو اسمٍ كان لا بدَّ من معرفةَ ذلك الوصفِ ما هو؟ وذلك الاسم ما مسمَّاه؟ وتلك العينُ أيُّ عينٍ تكون؟ وذلك الفعل كيف هو؟

ومعَ أهمِّيَّةِ فقه الواقع الّتي تقدَّمت إلاَّ أنَّ الناس انقسموا تجاهه قسمين:

قسمًا أعرض عن الواقع وعن معرفته والنظر فيه، ثمَّ سوَّغ لنفسه ذلك واعتاد عليه، ولربّما يحتجُّ بقصصٍ متفرَّقةٍ عن بعض السلف لم يحسن أن يضعها في موضعها، وأقدم مع ذلك على الفتوى في النوازل ودقائق المسائل، وحمله إعراضه عن فقه الواقع إلى الإعراض عن فقه الواقعة، فمن ذلكَ ما تراه من فتاوى بعضهم بشرعيَّة الانتماء إلى الأُمم المتَّحدة، ثمَّ يُسأل عنها وعن ماهيَّة الانتماء إليها وما يعرف من بنودها، فتجده لا يدري ما هي وماذا فيها، ويقول على الله بغير علمٍ حين يجوِّزها، وفي بنودها ما يكفر من عرفه وحكم بجوازه، بل في بنودها ما يكفر من علم به ولم يعتقد أنَّه كفرٌ، وبلغ بهم الإعراض عن الواقع الَّذي يظنّونه دينًا أنَّهُم لا يعرفون من أحوال المسلمين شيئًا، بل يبيت واحدهم آمنًا شبعانَ وجارُهُ جائعٌ.

وقسمًا آخر رأى من حال القسم الأوَّل ما يُضحك الجلمود، من الجهل والكلام فيما يجهله، مما يشبه أخبار الأعراب التي ترويها كتب الأخبار والأدب، فحمله ذلك على أن تعمَّقَ في الواقع وانهمك فيه وفي متابعتِهِ حتَّى أضاع على نفسه الفقه في الدين ومعرفته، ودخل الواقع وأخباره وعلومه بغير آلةٍ شرعيَّةٍ، ولا ضوابط لاستفادته من الواقع ونظره فيه.

وكلا القسمين مخطئٌ مجانبٌ السبيلَ الشرعيَّ، معرضٌ عن طريقة أهل العلم والفقه، بتخلِّيهِ عن ضوابِطِ هذا الباب وإعراضه عن القواعد الشرعيَّةِ المُتعلِّقَةِ بهِ.

ويجدر التنبيه إلى أنَّ الفقه في الواقع ليس من العلم الممدوح لذاته، بل يُحمد منه ما كان وسيلةً لمعرفة الحكم الشرعي وطريقًا إليه، وما زاد عن ذلك فإن كان فيه نفعٌ دنيويٌّ فكسائر علوم الدنيا ومعارفها، وإن لم يكن فيه كان حشوًا ولغوًا، كسائر ما لا نفع فيه.

وإذا كان بهذه المثابة، فإنَّه ليس علمًا شرعيًّا، ولا يدخل في الاسم الخاصِّ للعلم في النصوص والأحكام الشرعيَّة، بل هو من علوم الدنيا التي يُحتاج إليها في الدين ومن توهَّم خلاف ذلك فمنشأ غلطه أنَّه رأى أنَّ الإفتاء والنظر في بعض الأحكام الشرعية يحتاج إليه، وهذا حاصلٌ في الطب وغيرِه كالنجوم في معرفة القبلة ونحو ذلك، والتفريق بين العلوم الدنيويَّة والدينيَّة ثابتٌ في الشرع من وجوهٍ لا كما يزعم بعض العصريِّين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت