قَوْله: ( ذَكَرَ اللَّه ) أَيْ بِقَلْبِهِ مِنَ التَّذَكُّر أَوْ بِلِسَانِهِ مِنَ الذِّكْرِ ، وَ ( خَالِيًا ) أَيْ مِنَ الْخُلُوّ لِأَنَّهُ يَكُون حِينَئِذٍ أَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاء وَالْمُرَاد خَالِيًا مِنَ الِالْتِفَات إِلَى غَيْر اللَّه وَلَوْ كَانَ فِي مَلَأٍ [1]
قَوْله: ( فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) أَيْ فَاضَتِ الدُّمُوع مِنْ عَيْنَيْهِ ، وَأُسْنِدَ الْفَيْضُ إِلَى الْعَيْن مُبَالَغَةً كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَاضَتْ ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفَيْضُ الْعَيْن بِحَسَبِ حَالِ الذَّاكِر وَبِحَسَبِ مَا يُكْشَفُ لَهُ ، فَفِي حَال أَوْصَاف الْجَلَال يَكُون الْبُكَاء مِنْ خَشْيَة اللَّه ، وَفِي حَال أَوْصَاف الْجَمَال يَكُون الْبُكَاء مِنَ الشَّوْق إِلَيْهِ ، قُلْت [2] .: قَدْ خُصّ فِي بَعْض الرِّوَايَات بِالْأَوَّلِ ، فَفِي رِوَايَة حَمَّاد بْن زَيْد عِنْدَ الْجَوْزَقِيِّ"فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَة اللَّه"وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ، وَيَشْهَد لَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث أَنَس مَرْفُوعًا"مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، حَتَّى يُصِيبَ الأَرْضَ مِنْ دُمُوعِهِ ، لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [3] .
فهذا رَجُل يخشى الله فِي سره ، ويراقبه فِي خلوته ، وأفضلُ الأعمال خشية الله فِي السِّرِّ والعلانية ، وخشية الله فِي السِّرِّ إنما تصدر عَن قوة إيمان ومجاهدةٍ للنفس والهوى، فإن الهوى يدعو فِي الخلوة إلى المعاصي ، ولهذا قيل: إن من أعز الأشياء الورع فِي الخلوة.
(1) - فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 485)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 485)
(3) - المستدرك للحاكم (7668) حسن