وروى ابن لهيعة ، عَن دراج ، عَن أَبِي الهيثم ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ أَلِفَ الْمَسْجِدَ أَلِفَهُ اللَّهُ" [1] .
ويروى عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، قَالَ: من جلس فِي المسجد فإنما يجالس ربه - عز وجل -.
يعني ليس بينهما صلة من نسب أو غيره ولكن تحابا في الله كل واحد منهم رأى أن صاحبه ذو عبادة وطاعة لله عز وجل وقيام بما يجب لأهله ولمن له حق عليه فرآه على هذه الحال فأحبه [2] .
قَوْله: ( تَحَابَّا ) بِتَشْدِيدِ الْبَاء وَأَصْلُهُ تَحَابَبَا أَيْ اِشْتَرَكَا فِي جِنْس الْمَحَبَّة وَأَحَبَّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرُ حَقِيقَةً لَا إِظْهَارًا فَقَطْ .
وَالْمُرَاد أَنَّهُمَا دَامَا عَلَى الْمَحَبَّة الدِّينِيَّة وَلَمْ يَقْطَعَاهَا بِعَارِضٍ دُنْيَوِيٍّ سَوَاء اِجْتَمَعَا حَقِيقَةً أَمْ لَا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْت. [3]
فإنَّ الهوى داع إلى التحاب فِي غير الله ؛ لما فِي ذَلِكَ من طوع النفس أغراضها من الدنيا ، فالمتحابان فِي الله جاهدا أنفسهما فِي مخالفة الهوى حَتَّى صار تحابهما وتوادهما فِي الله من غير غرض دنيوي يشوبه ، وهذا عزيز جدًا .
ولن يتحابا فِي الله حَتَّى يجتمعا فِي الدنيا فِي ظل الله المعنوي ، وَهُوَ تأليف قلوبهما عَلَى طاعة الله ، وإيثار مرضاته وطلب مَا عنده ، فلهذا اجتمعا يوم القيامة فِي ظل الله الحسي .
(1) - المعجم الأوسط للطبراني (6567 ) حسن
(2) - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 3 / ص 272)
(3) - فتح الباري لابن حجر - (ج 2 / ص 485)