ويدل عليه ما روي عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَدْرِ النَّهَارِ ، فَجَاءَ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ عَلَيْهِمْ سُيُوفٌ ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغَيَّرَ لَمَّا رَأَى مِنْهُمْ مِنَ الْفَاقَةِ ، قَالَ: فَدَخَلَ ، فَأَمَرَ بِلاَلًا فَأَذَّنَ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَخَرَجَ ، فَصَلَّى ، ثُمَّ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء] ، {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر] يَتَصَدَّقُ امْرُؤٌ مِنْ دِينَارِهِ ، وَمِنْ دِرْهَمِهِ ، وَمِنْ ثَوْبِهِ ، وَمِنْ صَاعِ بُرِّهِ ، وَمِنْ صَاعِ شَعِيرِهِ ، حَتَّى ذَكَرَ شِقَّ تَمْرَةٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ تَعْجِزُ كَفَاهُ ، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَوْمَيْنِ مِنَ الثِّيَابِ وَالطَّعَامِ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَهَلَّلَ حَتَّى كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، وَمَنْ سَنَّ سَنَّةً سَيِّئَةً فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ. [1]
(1) - صحيح ابن حبان - (ج 8 / ص 101) (3308) وصحيح مسلم (2398)
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ دَالٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الأَوْزَارِ لاَ الْكَلَّ ، إِذْ أَخْبَرَ الْمُبَيِّنُ عَنْ مُرَادِ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً ، فَعَمِلَ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، فَكَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ قَالَ: لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى إِلاَّ مَا أَخْبَرَكُمْ رَسُولِي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا تَزِرُ ، وَالْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، وَلاَ خَصَّ عُمُومَ الْخِطَابِ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلاَّ مِنَ اللهِ ، شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم] - صلى الله عليه وسلم - ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلاَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال] فَهَذَا خَطَّابٌ عَلَى الْعُمُومِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام] ، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَأَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ السَّلَبَ لاَ يُخَمَّسُ وَأَنَّ الْقَلِيلَ يَكُونُ مُنْفَرِدًا بِهِ ، فَهَذَا تَخْصِيصُ بَيَانٍ لِذَلِكَ الْعُمُومِ الْمُطَلِّقِ.