7 -حديث هرقل: قال البلقينيُّ: هو من مُسنَد أبي سفيان، وليس له في «البخاريِّ» و «مسلم» و «السنن الثلاث» غيره، ولم يخرجه ابن ماجه، وبعضهم يجعل بعضه من مُسنَد ابن عبَّاس وبعضه من مُسنَد أبي سفيان، وقد ذكر البخاريُّ هنا ما يقتضي أنَّه كلُّه من رواية أبي سفيان، وأخرجه في (الجهاد) [خ¦2941] كما وقف عليه، فظهر بذلك أنَّ المعتمد التفصيل؛ وهو أنَّ رواية إرسال الكتاب إلى قيصر من مُسنَد ابن عبَّاس، وحكاية هرقل من مُسنَد أبي سفيان، وقد وقع للمزِّيِّ في «الأطراف» في مُسنَد أبي سفيان ومُسنَد ابن عبَّاس تخليطٌ وإسقاطُ بعض الروايات.
فائدة: هذا الحديث أخرجه البخاريُّ مُطوَّلًا ومُختصرًا في اثني عشر مكانًا مدارها كلُّها على الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عبَّاس، عن أبي سفيان، وفي بعضها: عن ابن عبَّاس كما سبق، وقال الشيخ عبد الكريم بعد أن ذكر الحديث المخرَّج هنا: إنَّه
ص 19
صحيحٌ متَّفقٌ على صحَّته وثبوته، أخرجه الأئمَّة في كتبهم، وهذا مردود؛ فإنَّ أحدًا من الأئمَّة لم يخرِّج قوله: (وقال ابن الناظور ... ) إلى آخر ما ذكر، وأيضًا فإنَّ الذين خرَّجوه منهم من ذكره مختصرًا، فكأنَّه أراد بذلك أصل الحديث، ومن الأمكنة كتاب (الإيمان) [خ¦51] ، وأخطأ من قال أخرجه في (العلم) ، إنَّما أخرج في (العلم) كتابَه لكسرى في باب (ما يُذكَر في المناولة) [خ¦64] ، وأخرجه في (الجهاد) في باب (قول الله تعالى: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا} [التوبة:52] ... ) ؛ الترجمة [خ¦2804] ، وهذه الطريقة لم يذكرها صاحب «الأطراف» ، وأخرجه في (الجهاد) أيضًا من مُسنَد ابن عبَّاس، وذلك في باب (هل يرشد المسلمُ المسلمَ ... ) ؛ الترجمة [خ¦2936] ، وعلى البخاريِّ في ذلك اعتراضٌ من جهة أنَّ قوله: «فعليك إثم الأريسيِّين» إنَّما هو من رواية ابن عبَّاس عن أبي سفيان؛ لأنَّ هذا من الكتاب، والكتاب إنَّما قُرِئ بحضرة أبي سفيان، وأبو سفيان أخبر ابن عبَّاس بذلك، وأسقط المزِّيُّ هذه الطريقة في (مُسنَد ابن عبَّاس) وفي (مُسنَد أبي سفيان) ، وأخرجه البخاريُّ في باب (ترجمة الحكَّام وهل يجوز ترجمان واحد) [خ¦7196] ، وعلى البخاريِّ في ذلك اعتراضٌ سيأتي_ إن شاء الله تعالى_ في مكانه، وقال البخاريُّ: (باب ما كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يبعث من الرسل ... ) ؛ الترجمة، (وقال ابن عبَّاس ... ) ؛ التعليق، وذكر بعده حديث كتابه إلى كسرى [خ¦7264] ، وذكر الشيخ عبد الكريم أنَّ البخاريَّ أخرجه في (المغازي) ، وهو خطأ، فالذي في (المغازي) بعد (غزوة تبوك) (كتابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى كسرى وقيصر) ، ثمَّ أخرج: (أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعث بكتابه إلى كسرى) [خ¦4424] ، فإن كان الشيخ عنى بذلك ما أشار إليه البخاريُّ في الترجمة؛ فلا يُقال في مثل هذا: أخرجه البخاريُّ تعليقًا، وما ذكرناه من تعليق ابن عبَّاس يُقال فيه: أخرجه، لكن بالتعليق، ولم يثبت التعليق المذكور في رواية ابن الهيثم [خ¦4425] .
فائدة: قال ابن الملقِّن: وجه مناسبة هذا الحديث للباب عدم اتِّهامه بالكذب، وأنَّه لم يكن لِيَذَرَ الكذبَ على الناس ويكذب على الله، وأيضًا فهو مشتمل على ذكر آيات أُنزِلت على من تقدَّم من الأنبياء، وعلى ذكر جملة من أوصاف من يُوحى إليه، وقال شيخنا رحمه الله تعالى: مناسبة حديث هرقل لابتداء الوحي أنَّه تضمَّن كيفيَّة حال الناس معه صلَّى الله عليه وسلَّم في حال الابتداء، ولأنَّ الآيةَ التي كتبها إلى هرقل للدعاء إلى الإسلام ملتئمةٌ مع الآية التي في الترجمة، وهي قوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... } ؛ الآية [النساء:163] ، وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ... } ؛ الآية [الشورى:13] ، فبان أنَّه أوحى إليهم كلِّهم أنْ أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: {سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ... } ؛ الآية [آل عمران:64] ، انتهى
(أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) : (أبو اليمان) : الحكم بن نافع، قال أبو زرعة: لم يسمع من شعيب إلَّا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة، انتهى
وقيل: استحلَّ أن يقول: حدَّثنا شعيب، فما هو بالإجازة؛ لكونه نُسِخ من أصل شعيب، وكلامُ الناس في ذلك معروفٌ فلا نطوِّل به.
ص 20
(أَبَو سُفْيَانَ) : صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس.
فائدة: إن قلت: كيف ساغ للبخاريِّ إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية قول المنجِّمين، والاعتماد على ما تدلُّ عليه أحكامهم؟
فالجواب: أنَّه قصد أن يبيِّن أنَّ البشارات به عليه الصلاة والسلام جاءت من كلِّ طريق، وعلى لسان كلِّ فريق؛ كاهن أو منجِّم أو مُبْطِل، إنسيٍّ أو جنِّيٍّ، وهذا من أبدع ما يحتجُّ به محتجٌّ.
فائدة: قال البلقينيُّ: ما ذكره الحافظ عبد الغنيِّ في «الكمال» في ترجمة دحية من قول خليفة بن خيَّاط: إنَّه عليه السلام بعث دحية سنة خمس إلى قيصر في الهدنة؛ فغير مُعتمَد؛ لأنَّ الهدنة إنَّما كانت سنة ستٍّ باتِّفاق، وذكر ابن عبد البرِّ في ترجمة دحية أنَّه عليه السلام بعثه إلى قيصر في الهدنة وذلك في سنة ستٍّ، وهذا قريب، فإنَّه يحتمل أن يكون أمره بالتجهيز في آخر سنة ستٍّ ووقع البعث في أوَّل سنة سبع، وجزم الواقديُّ بسنة سبع، لكن قال: إنَّ دحية لقي هرقل بحمص فدفع إليه الكتاب في سنة سبع، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ الكتاب دفعه لعظيم بصرى، وعظيم بصرى أرسله إلى هرقل، وهرقل إذ ذاك بإيلياء؛ كما في «البخاريِّ» وغيره، ولم يكن دحية وصل إلى حمص بهذا الكتاب، ولم يحضر دحية إيلياء حين قرأ هرقل الكتاب أوَّلًا قبل مجيء أبي سفيان ومن معه، وثانيًا بعد مجيئهم، ووقع في بعض الروايات ما يقتضي أنَّ دحية وصل إلى هرقل بالكتاب، وهذا إن كان في الكتاب الثاني؛ فصحيح، وأمَّا في الأوَّل؛ فالظاهر من الروايات الصحيحة أنَّ دحية لم يُحضِره لهرقل، وإنَّما الكتاب الذي حضر به دحية إلى هرقل بعد حجَّة الوداع في غزوة تبوك، وكان هرقل إذ ذاك بدمشق، وفي «تاريخ المزَّة» لابن عساكر بسنده إلى دحية قال: (وجَّهني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بكتابه إلى ملك الروم بكتاب وهو بدمشق ... ) فذكره، قال البلقينيُّ رحمه الله تعالى: (وقد لخَّصت كرَّاسةً بدمشق في سنة ستٍّ وسبعين وسبع مئة تتضمَّن أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى هرقل ثلاثة كتب؛ هذا أوَّلها، والكتاب الثاني جاء به دحية أيضًا إلى هرقل وهو بدمشق، والكتاب الثالث كان في غزوة تبوك وهي في رجب سنة تسع، وفي روايةٍ: في هذا شيءٌ غريب؛ وهو أنَّ دحية أقام عند هرقل حتَّى بلغته وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
فائدة: (التَّرجُمان) فيه لغتان؛ فتح التاء أفصح من ضمِّها، والجيم مضمومة فيهما، قاله ابن الملقِّن، قال البلقينيُّ: وثالثة حكاها الشيخ أبو حيَّان، وهي: فتح التاء، وفتح الجيم، وفي «شرح مسلم» للنوويِّ: التاء أصليَّة، وأنكروا على الجوهريِّ كونه جعلها زائدة، وحكى ذلك الشيخ عبد الكريم، ولم يتعقَّبه، وهو مُتعقَّب؛ فإنَّه يقتضي أنَّ كلام الجوهريِّ مُنكَرٌ قطعًا، وليس كذلك، بل الذي ذكره
ص 21
الجوهريُّ هو المشهور من أحد قولي أهل التصريف في ذلك، وهو الذي جزم به ابن الأثير، وهو الذي ذكره أبو حيَّان مُقدِّمًا له، وذكر ابن جنِّي أنَّ التاء فيه أصليَّة، انتهى
وقال الجوهريُّ: (التَّرجَمان والجمع التَّراجِم؛ مثل: زَعفَران وزَعافِر، ويُقال: تَرجُمان، ولك أن تضمَّ التاء؛ لضمَّة الجيم) ، انتهى
(فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا) : فاعل (قال) هو: الترجمان، وطوى في هذه الرواية قبل هذا كلامًا؛ وهو: (فقال لتَرجُمَانه: قل لهم: أيُّكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنَّه نبيٌّ؟ فقال لهم التَّرجُمان: أيُّكم أقرب نسبًا بهذا الرجل؟) وقد جاء في (الجهاد) التصريح بهذا المطويِّ هنا، وطوى هناك قول التَّرجُمان، فإنَّ فيه [خ¦2941] : (فقال لترجمانه: سلهم [أيُّهم] أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنَّه نبيٌّ؟ قال أبو سفيان) ، فطوى هنا قول هرقل، وفي (الجهاد) طوى قول التَّرجُمان، ولم يقع الجمع بينهما في رواية من روايات «البخاريِّ» ، ولا «مسلم» ، ولا في غير ذلك ممَّا وقفت عليه، ويجوز أن يكون المعنى: فقال لهم هرقل على لسان تَرجُمانه: أيُّكم؟ ولكن فيه مجازان؛ أحدهما: نسبة القول إلى هرقل، وإنَّما القائل لذلك التَّرجُمان، الثاني: فيه حذفٌ؛ وهو قوله: (على لسان ترجمانه) ، ووقع في «مسلم» ما يقتضي أنَّ فاعل (قال) : هرقل، فإنَّ فيه من قول أبي سفيان: (فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه، فقال: أيُّكم أقرب نسبًا ... ) إلى آخره، (فقال أبو سفيان: فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثمَّ دعا بتَرجُمانه فقال: قل لهم: إنِّي سائلٌ هذا) ، وساق بقيَّة الكلام.
وقضيَّة هذه الرواية أن يكون دعا التَّرجُمان بعد قوله: (أيُّكم أقرب نسبًا من هذا الرجل؟) ، والذي في «البخاريِّ» أصحُّ ممَّا في «مسلم» ، فإنَّ الترجمان قال له هرقل: سلهم أيُّهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل، وترجم ذلك الترجمان لمن حضر من أبي سفيان ومن معه، وترجم لهرقل ما قاله أبو سفيان، واستمرَّ يترجم إلى آخر القصَّة؛ بخلاف ما وقع في «مسلم» .
والحكمة في سؤاله عن أقربهم نسبًا: أنَّ الأقرب أعلمُ بنسبه وأبعدُ من أن يقدح في نسبه؛ بخلاف الأبعد؛ فإنَّه لا يبعد أن تحمله العداوة على قدحه في نسبه؛ بخلاف الأقرب؛ فإنَّ نَسَبَه نَسَبُه، ويبعد مقتضى العادة أن يقعَ فيما يقع فيه الأبعد.
وقوله: (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ) أشار إليه إشارةَ القرب؛ لقرب العهد بذكره، أو لأنَّه معهود في أذهانهم؛ لاشتراك الجميع في معاداته.
فائدة: إنَّما جعلهم عند ظهره؛ لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، وجاءت هذه العلَّة من كلام هرقل في بعض طرق الحديث.
(كَذَبَنِي) ؛ بتخفيف الذال؛ أي: نقل إليَّ الكذب وقال لي خلاف الواقع، وكذا نظيره: صَدَقَ، قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} [الفتح:27] ، وهما من غرائب الألفاظ؛ فـ (فعَّل) ؛ بالتشديد يقتصر على مفعول واحد، و (فعَل) ؛ بالتخفيف يتعدَّى إلى مفعولين، ولفظ (لكذبت عنه) يجوز أن يكون منهما.
(لَكَذَبْتُ عليه) يحتمل أن يريد به: هرقل، وأن يريد النبيَّ
ص 22
صلَّى الله عليه وسلَّم، و (لكذبته) : تعيَّن الضمير لهرقل، وفي (كذبت عنه) : يرجح أن يكون الضمير له عليه السلام.
تنبيه: قوله: (لَوْلَا الْحَيَاءُ) فيه دليلٌ لمن يدَّعي أنَّ قُبْحَ الكذب عقليٌّ، قال الكرمانيُّ: لا يلزم منه؛ لجواز أن يكون قبحه بحسب العرف، أو مستفاد من الشرع السابق.
فائدة: (يَأْثروا) ؛ بكسر المثلَّثة وضمِّها، وإنَّما قال: (يأثروا) ولم يقل: (يكذِّبوني) ؛ لأنَّه كان واثقًا منهم ألَّا يكذِّبوه؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد جاء ذلك مُصرَّحًا في رواية ابن إسحاق.
(فَهَلْ يَرْتَدُّ) : هذا السؤال قد يُستغنَى عنه بالسؤال قبله، فإنَّ المرتدَّ ينقص من العدَّة، ويمكن أن يُقال: لا يلزم من الزيادة أنَّ أحدًا منهم لا يرتدُّ؛ لجواز أن تكون الزيادة كثيرةً ويكون المرتدُّ واحدًا أو عددًا يسيرًا، والزيادة موجودة، وفيها عوضٌ عن المرتدِّ وزيادةٌ على العدد الذي كان قبل الردَّة.
فإن قيل: هذه القضيَّة كانت بعد الحديبية وقد كان من المنافقين جمعٌ بالمدينة.
قلنا: لعلَّ أبا سفيان لم يبلغه أو أنَّهم لم يدخلوا في الدِّين، قاله ابن الملقِّن.
وقال الكرمانيُّ: (الظاهر أنَّه لم يرتدَّ أحدٌ حينئذٍ، أو أنَّ الارتداد لم يكن لبغض الدين، بل لحبِّ الرئاسة ونحوه) ، انتهى
والارتداد كان صبيحة الإسراء؛ كما قاله المفسِّرون، والإسراء كان قبل الهجرة.
(وَالصِّدْقِ) : في رواية [خ¦2941] : (والصدقة) ، فيحتمل أن يكون تقصيرًا من بعض الرواة، وانتقال من الصدقة إلى الصدق، وتتأكَّد رواية: (الصدقة) برواية [خ¦4553] : (الزكاة) .
إشارة: خذ من قوله: (يأمرنا) : أنَّ الكفَّار مخاطَبون بفروع الشريعة؛ لأنَّه قال: (يأمرنا) ، وحَال الأمر بذلك كانوا كفَّارًا، والمسألة ذات خلاف، ولم يذكر أبو سفيان الصيام والحجَّ، مع أنَّ كلامه هذا كان في أوَّل السنة السابعة ورمضان فُرِض في الثانية، وكأنَّه لم يشتهر ذلك عند الكفَّار؛ لأنَّهم في شغل بأحوالهم عن الذي يجيء من التكاليف الشرعيَّة؛ بخلاف الزكاة، فإنَّها اشتُهِرت؛ لتعلُّقها بالأموال التي هي شغلهم وتجارتهم منها، وأمَّا الحجُّ؛ فلأنَّه كان فرضه إمَّا في الخامسة أو في السادسة، فلم يشتهر اشتهار الزكاة، ومن قال: فُرِضَ بعد ذلك؛ فلا سؤال عليه.
(وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) : وذلك لأنَّ الأشراف يأنفون من تقدُّم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتِّباع الحق، وهذا بحسب الغالب، وإلَّا؛ فكان منهم الأشراف؛ كالصِّدِّيق وغيره، وفي أوائل البعثة، وإلَّا؛ ففي الأواخر، لا يستنكفون، بل يفتخرون، وقال شيخنا في «فتحه» : المراد بالأشراف: أهل التجبُّر والتكبُّر، لا كلُّ شريف؛ لئلَّا يرد أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.
إن قلت: ما قال أبو سفيان: (يأمرنا) ، بل قال: (يقول) ؛ بلفظ القول لا بلفظ الأمر، فلِمَ غيَّر هرقل عبارته؟
قلت: تعظيمًا للرسول وتأدُّبًا له؛ ولهذا سأل فيما
ص 23
تقدَّم أيضًا بلفظ: (ماذا يأمركم؟) ، وَعَدَلَ أبو سفيان عن لفظ (يأمرنا) إلى أن يقول بخلاف ذلك.
إن قلت: (ولا تشركوا) : كيف يكون مأمورًا به والعدم لا يُؤمَر به؛ إذ لا تكليف إلَّا بفعلٍ، سيَّما في الأوامر؟
قلت: المراد به: التوحيد.
إن قلت: (لا تشركوا) : نهي، فما معنى ذلك؟ إذ لا يُقالُ له أمر؟
قلت: الإشراك منهيٌّ عنه، وعدم الإشراك مأمورٌ به، مع أنَّ كلَّ نهيٍ عن الشيء أمرٌ بضدِّه، وكلَّ أمرٍ بشيء نهيٌ عن ضدِّه.
إن قلت: (وينهاكم عن عبادة الأوثان) : لم يذكره أبو سفيان، فلِمَ ذكره هرقل؟
قلت: قد لزم ذلك من قول أبي سفيان من لفظ: (وحده) ، ومن (ولا تشركوا) ، ومن (واتركوا ما يقول آباؤكم) ؛ ومقولهم كان الأمر بعبادة الأوثان.
فإن قلت: ما ذكر لفظ الصلة التي ذكرها أبو سفيان، فلِمَ تركها؟
قلت: لأنَّها داخلةٌ في العفاف؛ إذ الكفُّ عن المحارم وخوارم المروءة إنَّما يستلزم الصلة.
إن قلت: فلِمَ ما راعى هرقل الترتيب، وقدَّم في الإعادة سؤال التهمة على سؤال الأتباع والزيادة والارتداد؟
قلت: الواو ليست للترتيب، أو أنَّ شدة اهتمام هرقل بنفي الكذب على الله عنه بَعَثَه على التقديم.
وقال شيخنا: إنَّما عدل إلى السؤال عن التهمة عن نفس الكذب؛ تقريرًا لهم على صدقه؛ لأنَّ التهمة إذا انتفت؛ انتفى سببها؛ ولهذا عقَّبَه بالسؤال عن الغدر.
إن قلت: السؤال من أحد عشر وجهًا، والمعاد في كلام هرقل تسعة؛ حيث لم يقل: وسألتك عن القتال، وسألتك كيف كان قتالكم إيَّاه؟ فلِمَ ترك هذين؟
قلت: لأنَّ مقصودَ هرقل بيان علامات النبوَّة، وأمر القتال لا دخل له فيها إلَّا بالنظر إلى العاقبة، وذلك عند وقوع هذه القصَّة كانت في الغيب وغير معلوم لهم، أو لأنَّ الراويَ اكتفى بما رواه في كتاب (الجهاد) ، وهو أنَّه قال [خ¦2941] : (وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل) ، وأقول: وإنَّما يبتليهم بذلك؛ ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذلهم وسعهم في طاعته.
فائدة: يُستشعَر من هذا أنَّ جميع ما خاطب الشارع به العرب وغيرهم كان أصله معلومًا عند العرب، ولكن أثبت الشارع فيه زياداتٍ وشروطًا، وهذا مذهب من لم يجعلِ الحقائق الشرعيَّة موجودة، وهو مذهب سلف الأمَّة وجمهورها؛ كما نقله القاضي أبو بكر الباقلانيُّ؛ فتخصيص القاضي بالمخالفة غير سديد.
وجه الاستشعار: أنَّ أبا سفيان قال لهرقل: (يأمرنا بالصلاة) ، وهي معروفة عند العرب؛ ولهذا لم يقل: بالصلاة التي ابتكر لها كهذا الاسم المشتملة على وجوه مخصوصة.
ذكر هرقل في قوله: (فقلت: لو كان أحد) : (فقلت) ، ولم يذكر فيما قبله (فقلت) ، وإنَّما ترك (فقلت) فيما قبله؛ لأنَّ بعثةَ الرجل في نسب قومه أمرٌ ظاهر واضح، فلم يقل فيه: (فقلت) ، وأمَّا هذا؛ فإنَّه مَقامٌ يحتاج إلى فكر؛ فلهذا قال فيه هرقل: (فقلت) ، ولم يذكر هرقل (فقلت) إلَّا في هذا الموضع،
ص 24
وفي قوله: (هل كان من آبائه) ؛ لأنَّهما مَقاما فكرٍ ونظرٍ؛ بخلاف البقيَّة.
فائدة: أدخل الفاء على (فلو كان من آبائه) ؛ بخلاف ما سبق؛ لشدَّة طلب وارث الملك للملك؛ بخلاف من يأتسي بقولٍ قيل قبلَه.
وقال في السؤال: (فهل يرتدُّ) ، وقاله في آخره بالهمزة، وكأنَّه أراد مشاكلة (أيزيدون؟) ، فقال عقب ذلك: (وسألتك أيزيد) .
(فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ) : يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنَّه يريد: يملك ملكي الذي أنا فيه، وكنَّى بموضع قدميه عن هذا؛ لأنَّه موضع استقراره، والآخر: أنَّه أشار بذلك إلى أنَّه يملك الشام.
(وَكُنْتُ أَعْلَمُ) : هذا العلم مأخذه إمَّا من القرائن العقليَّة، وإمَّا من الأحوال العاديَّة، وإمَّا من الكتب القديمة، قاله الكرمانيُّ، وقال غيره: إنمَّا علم ذلك من التوراة والإنجيل، وفي «مسلم» : (فإن يكُ ما تقول حقًّا؛ فسيملك موضع قدميَّ؛ يعني: الشام، فإنَّه قاله به) ، انتهى
(لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ) : اشتغال هرقل بالمُلك منعه من إمعان النظر في الكتب الدالَّة على أنَّه عليه السلام من العرب، بل من قريش، وفي التوراة: (وحرز للأميِّين) ؛ وهم العرب، وفي حديث سلمان في الراهب الأخير أنَّه قال له: قد أظلَّك زمان نبيٍّ هو مبعوثٌ بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين الحرَّتين، واشتهار ذلك عند اليهود والنصارى لا يخفى، وفي حديث كعب بن مالك: أنَّه من قريش، وأنَّه من بني هاشم.
(مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ) : فيه تعريضٌ لما يقوله النصارى من أنَّ المسيح هو الله؛ لأنَّ حكمَ الرسل كلِّهم واحدٌ في كونهم عبادَ الله.
(عَظِيمِ الرُّومِ) : لم يقل: ملك الروم؛ لأنَّه معزول من الملك بحكم دين الإسلام، ولا سلطنة إلَّا من قِبَل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يقل: (إلى هرقل) فقط؛ ليكون فيه نوعٌ من الملاطفة، فقال: (عظيم الروم) ؛ أي: الذي تعظِّمه الروم، وقد أمر الله تعالى بتليين القول لمن يُدعَى إلى الإسلام فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ... } ؛ الآية [النحل:125] .
(سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) : الكافر لا سلامة له؛ فلذلك لم يقل: سلام عليك؛ لأنَّه مخزيٌّ في الدنيا وفي الآخرة.
(بِدِعَايَةِ) : أي: بدعوته، والدعاية بمعنى الدعوة، وفي «البخاريِّ» [خ¦2941] و «مسلم» : (بداعية) ، وهو بمعنى الأوَّل، ويجوز أن يكون (داعية) بمعنى الدعوة فيرجع إلى الأوَّل؛ كقوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} [النجم:58] ؛ أي: كشفٌ.
فائدة: قال شيخنا رحمه الله تعالى: اشتملت هذه الجملة القليلة التي تضمَّنها هذا الكتاب على الأمر بقوله: «أسلِمْ» ، والترغيب بقوله: «تسلَمْ» و «يؤتك» ، والزجر بقوله: «فإن تولَّيت» ، والترهيب بقوله: «فإنَّ عليك» ، والدلالة بقوله: «و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران:64] » ، ووجه كتابة هذه الآية أنَّ هرقل نصرانيٌّ، والنصارى جمعت الأمور الثلاثة المذكورة في الآية.
فائدة: قال السهيليُّ: رُوِي أنَّ هرقل وضع كتاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قصبة من ذهب؛ تعظيمًا له، وأنَّهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا
ص 25
عن كابر حتَّى كان عند أذفرنش الذي تغلَّب على طيطلة وما أخذ أخذها من بلاد الأندلس، ثمَّ كان عند ابن بنته المعروف بالسلطين، حدَّثني بعض أصحابنا أنَّه حدَّثه من سأله رؤيته من قوَّاد أجناد المسلمين_ وكان يُعرَف بعبد الملك بن سعيد_ قال: (وأخرجه إليَّ فاستعبرت، وأردت تقبيله، فأخذه من يدي، فمنعني من ذلك؛ صيانةً له وضنانةً عليَّ) ، انتهى
ورأيت في كلام ابن أبي حجلة أنَّ هذا الكتاب رآه سيف الدين قلج المنصوريُّ عند ملك الإفرنج لمَّا أرسله الملك المنصور قلاوون إليه.
(صَاحِبُ إِيلِيَاءَ) : لفظ الصاحب هنا بالنسبة إلى هرقل حقيقة، وبالنسبة إلى (إيلياء) مجاز؛ إذ المراد منه الحاكم فيه، وإرادة المعنى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ من لفظ واحد باستعمالٍ واحدٍ جائز عند الشافعيِّ، وأمَّا عند غيره؛ فهو مجاز بالنسبة إلى المعنيين باعتبار معنًى شاملٍ لهما، ومثله يُسمَّى بعموم المجاز.
فائدة: قال الشبليُّ في قوله: «يؤتك الله أجرك مرَّتين» : هذا يدلُّ على أنَّ قيصر كان على دين عيسى عليه السلام حين كان حقًّا قبل التبديل والنسخ، وإلَّا؛ لم يكن له أجره مرَّتين، ويدلُّ على أنَّه وأصحابه أهل كتاب؛ لأنَّه خاطبهم بـ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ} [آل عمران:64] ، انتهى
واستدلَّ البلقينيُّ بهذا على أنَّ كلَّ من دان بدين أهل الكتاب؛ كان في حكمهم في المناكحة والذبائح؛ لأنَّ هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، ولا ممَّن دخل في النصرانيَّة قبل التبديل، فأطلق عليهم أهل الكتاب، فدلَّ على أنَّ لهم حكم أهل الكتاب، انتهى
(آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ) : قال شيخنا: لمَّا كان هرقل في الإيمان عند كثير من الناس مستبهمًا؛ لأنَّه يحتمل أن يكون عدمُ تصريحه بالإيمان الخوفَ على نفسه من القتل، ويحتمل أن يكون استمرَّ على الشكِّ حتَّى مات؛ قال الراوي: فكان ذلك آخر شأن هرقل.
[ ... ] : ختم البخاريُّ هذا الباب الذي استفتحه بحديث [خ¦1] : «إنَّما الأعمال بالنيَّات» كأنَّه قال: إن صدقت نيَّته؛ انتفع بها في الجملة، وإلَّا؛ فقد خاب وخسر، فظهرت مناسبة هذا الحديث مع حديث: «إنَّما الأعمال بالنيَّات» ، ويُؤخَذ من آخر لفظ في هذه القصَّة براعة الاختتام للباب.
فائدة: قوله: (و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران:64] ) : هذه الواو ثبتت في رواية عبدوس، والنسفيِّ، والقابسيِّ، وسقطت في رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ، واختلف المحدِّثون فيما وقع من الأوهام في بعض التلاوة؛ فمنهم من أوجب إصلاحها؛ لأنَّه إنَّما سيقت للدلالة، ولا حجَّة إلَّا في الثَّابت في المصحف، ومنهم من قال: ننقلها كما وقعت، وننبِّه عليها؛ لأنَّه يبعد خفاؤها عن المؤلِّف والناقل عنه، ثمَّ على جميع الرواة حتَّى وصلت إلينا، فلعلَّها قراءة شاذَّة، ثمَّ ضُعِّف بأنَّ الشاذَّ يُروَى؛ فعلامَ لا يُحتَجُّ به في حكم ولا يُقرَأ به في صلاة؟! انتهى
وقوله: (يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ) : يمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأنَّ التكهُّن يكون لوجوه؛ منها تلك.
خاتمة: {تَعَالَوْا} [آل عمران:64] ؛ بفتح اللام، وقُرِئ شاذًّا؛ بضمِّها، {إِلَى كَلِمَةٍ} : متعلِّق بـ {تَعَالَوْا} ، و {كَلِمَةٍ} : العامَّة: بفتح الكاف وكسر اللام، وأبو السمَّال: بوزن سِدْرة، وهي مُفسَّرة بما بعدها من قوله: {أَلَّا نَعْبُدَ} ، فالمراد بها كلام كثير، وهذا من باب إطلاق الجزء والمراد به الكلُّ، وقال بعضهم: وضع المفرد موضع الجمع،
ص 26
وقيل: أُطلِقت الكلمة على الكلمات؛ لارتباط بعضها ببعض، فصارت في قوَّة الكلمة الواحدة، إذا اختلَّ جزء منها؛ اختلَّت الكلمة؛ لأنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هي كلمات لا تتمُّ النسبة المقصودة فيها من حصر الإلهيَّة في الله إلَّا بمجموعها.
وقال البخاريُّ [خ¦قبل:4553] : ( {سَوَاءٍ} [آل عمران:64] : قصد) ، والعامَّة: بجرِّ {سَوَاءٍ} نعتًا لـ {كَلِمَةٍ} ، و {سَوَاءٍ} في الأصل مصدر، ففي الوصف التأويلاتُ الثلاثة المعروفة؛ ولذلك لم يُؤَنَّث، والحسن: بالنصبِ على المصدر أو الحال.
{أَلَّا نَعْبُدَ} : فيه ستَّةُ أوجه، {فَإِنْ تَوَلَّوْا} : هو ماضٍ، ولا يجوز أن يكون التقدير: فإن تتولَّوا؛ لفساد المعنى؛ لأنَّ قولَه: {فَقُولُوا اشْهَدُوا} خطابٌ للمؤمنين، و (تتولَّوا) للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جوابُ الشرط؛ والتقدير: فقولوا لهم.
(يهِمَّنَّكَ) : بضمِّ الياء وفتحها.
(مَدَايِنِ) : بالهمز وعدمه.
(مُلْكُ) : بفتح الميم، وكسر اللام، ويُروَى: بضمِّ الميم، وإسكان اللام، ويُروَى (يملك) ؛ بزيادة ياء، وأظنُّ أنَّها تصحيف، قاله ابن قرقول، والنوويُّ قال: هي صحيحة، وأعربتها في «إعرابي» .
و (رُومِيَةَ) : بتخفيف الياء.
(يَرِمْ) : بفتح الياء وكسر الراء: لم يفارق.
(الرُّشْد) و (الرَّشَد) : لغتان.
(فَتُبَايِعُوا) : من المتابعة والبيعة.
(حَاصُوا) : نفروا.
(آنِفًا) : بالمدِّ والقصر؛ أي: قريبًا، أو بعجلة، أو في أوَّل وقت كنَّا فيه، أو الساعة، وكلُّه بمعنًى.