52 - (أَبُو نُعَيْمٍ) : الفضل بن دُكَين.
(زَكَرِيَّاءُ) : ابن أبي زائدة.
(عَنْ عَامِرٍ) : الشعبيِّ.
(سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ _رضي الله عنهما_ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : نُقِل عن يحيى بن معين وأهل المدينة أنَّه لا يصحُّ للنعمان سماعٌ من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو باطل يردُّه هذا الحديث، وكذا رواية مسلم: «وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه» ، وهو ما صحَّحه أهل العراق، وليس في الصحابة النعمانُ بن بشير غيره، فهو من الأفراد، وأوَّل من بايع الصِّدِّيقَ من الأنصار أبوه.
(مُشَبَّهَاتٌ) : كذا هنا، وفي (البيوع) [خ¦2051] : «أمور مشتبهة» ، وجاء أيضًا: «مشتبهات» و «متشبِّهات» ، وكلُّه بمعنى: مشكلات؛ لما فيه من شبه طرفين مخالفين، ويشتبه (يفتعل) ؛ أي: يشكل، ومنه: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة:70] ، وأمَّا قوله تعالى: {مُتَشَابِهًا} [البقرة:25] ؛ فمعناه: في الصدق والحكمة غير متناقض.
واختُلِف في المراد بالمتشابهات التي ينبغي اجتنابها على أقوال:
أحدها: أنَّه الذي تعارضت فيه الأدلَّةُ فاشتبه أمره، وبه جزم القرطبيُّ، ثمَّ ذكر في حكمه أقوالًا؛ أحدها: حرمته؛ لأنَّه مُوقِعٌ في الحرام، الثاني: كراهته، والورعُ تركُه، الثالث: يُتوقَّف فيه، وصُوِّب الثاني؛ لأنَّ الشرع أخرجها من الحرام، فهي مرتاب فيها، وصحَّ [خ¦2052 قبل] : «دع ما يريبك» ، وهذا هو الورع، وقول من قال: (إنَّها حلال يُتورَّع عنها) ليس بجيِّد؛ لأنَّ أقلَّ مراتب الحلال استواءُ الفعل والترك، وهذه الأقوال حكاها عياضٌ عن أهل الأصول، وقال النوويُّ: والظاهر أنَّها مُخرَّجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه مذاهبُ؛ أصحُّها: لا نحكم بشيء، الثاني: الإباحة، الثالث: المنع.
القول الثاني: أنَّ المراد: المكروهات، قاله الخطَّابيُّ، والمازريُّ، وغيرهما.
والثالث: أنَّها المباح، وهو مردود كما سلف، وزُهْد الأوَّلين فيه محمولٌ على موجبٍ شرعيٍّ اقتضى ذلك خوف الوقوع فيما يُكرَه؛ إمَّا من الميل إلى الدنيا، أو من الحساب عليه وعدم القيام بالشكر، لأنَّ حقيقة المباح التساوي.
(لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ؛
ص 79
أي: بسبب اشتباهها على بعضهم دون بعض، لا أنَّها في نفسها مشتبهةٌ على كلِّ الناس لا بيانَ لها، فإنَّ العلماء يعرفونها؛ لأنَّ الله تعالى جعل عليها دلائلَ فعرفها بها أهلُ العلم، ولكنَّ كلَّ أحد لا يقدر على تحقيق ذلك؛ ولهذا نفى علمها عن كثير من الناس، لا عن كلِّ الناس، أو أحد من الناس.
(فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَِّهَاتِ) : ضُبِط على وجهين؛ بفتح الباء المشدَّدة وبكسرها، مع التخفيف والتشديد، وكلُّه صحيح، فمعناه: مُشْبِّهات أنفسَها بالحلال، أو مُشْبِهات الحلالَ، وعلى رواية الفتح: فمعناه: مُشبَّهات بالحلال.
(مُضْغَةً) : القطعة من اللحم، سُمِّيت به؛ لأنَّها تُمضَغ في الفم؛ لصغرها.
(إِذَا صَلَُحَتْ) ، و (فَسَُدَتْ) ؛ بفتح اللام، وفتح السين، وبضمِّهما، ومدخول (إذا) لا بدَّ أن يكون متحقِّقَ الوقوع، وههنا الصلاح غير متحقِّق؛ لاحتمال الفساد، وبالعكس، لكن هو بمعنى: (إن) ؛ بقرينة ذكر المقابل.
(الْقَلْبُ) : سُمِّي بذلك؛ لتقلُّبه وسرعة الخواطر فيه، وتردُّدها عليه، واستدلَّ بهذا ابن بطَّال على أنَّ العقل في القلب، وأنَّ ما في الرأس فهو من سبب العقل، وتقدَّمتِ المسألة، قال النوويُّ: ولا دلالةَ في الحديث لواحد من المذهبين، واستدلَّ به بعض أصحابنا على أحد الوجهين فيما إذا حلف لا يأكل لحمًا فأكل قلبًا؛ أنَّه يحنث به، وإليه مال أبو بكر الصيدلانيُّ، والأصحُّ: أنَّه لا يحنث به؛ لأنَّه لا يُسمَّى لحمًا عرفًا.
فائدة: للقلب سبعةُ أطوار: أحدها: يُسمَّى صدرًا، وهو معدن الإسلام، {أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الزمر:22] وإن لم يتَّصف به معدنُ الكفر، {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل:106] ، ومحلُّ وساوس الشيطان، وتسويل النفس: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس:5] ، وهو جلدة القلب.
الثاني: يُسمَّى قلبًا، وهو معدن الإيمان: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:22] ، ومحلُّ معدن العقل: {لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحجُّ:46] ، ومحلُّ الرؤية: {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحجُّ:46] .
الثالث: يُسمَّى إشغافًا، وهو معدن المحبَّة والعشق الذي هو غاية المحبَّة والشفقة على الخلق، {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [يوسف:30] ؛ أي: يشغفها حبُّه؛ أي: خرق حبُّه شغافَ قلبها حتَّى وصل إلى الفؤاد.
الرابع: يُسمَّى الفؤاد، وهو معدن المشاهدة، ومحلُّ الرؤية الإلهيَّة {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم:11] .
الخامس: يُسمَّى حبَّة القلب، وهي معدن محبَّة الحضرة الإلهيَّة.
السادس: يُسمَّى سويداءَ القلب، وهي معدن المكاشفات الغيبيَّة، ومحلُّ العلوم اللَّدُنِّيَّة، ومنبع الأسرار الإلهيَّة.
السابع: المهجة، وهي معدن ظهور أنوار التجلِّي، قاله قوام الدين البسطاميُّ.
فائدة: ما يقول الناس أنَّه حديث، وهو: (ما وسعني سماواتي ولا أرضي، ووسعني قلبُ عبدي المؤمن) ؛ ليس بحديث، بل هو أثرٌ قاله ابن القيِّم، ومعناه: أنَّ القلوبَ ثلاثةٌ: قلب خالٍ من الإيمان وجميع الخير، فذلك القلب مظلمٌ، قد استراح الشيطان
ص 80
من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنَّه قدِ اتَّخذه بيتًا ووطنًا، وتحكَّم فيه بما يريد، وتمكَّن منه غاية التمكُّن.
القلب الثاني: قلبٌ محشوٌّ بالإيمان قد استنار بنور الله تعالى، وأُوقِد مصباحه، لكن عليه ظلماتُ الشهوة، وعواصفُ الأهوية، فللشيطان هناك إقبالٌ وإدبار، ومحاولاتٌ وطوالع، فالحرب سِجال، وتختلف أحوال هذا الصنف بالقلَّة والكثرة؛ فمنهم: مَن أوقاتُ غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم: مَن أوقاتُ غلبة عدوِّه له أكثر، ومنهم: من هو تارةً وتارةً.
القلب الثالث: قلبٌ محشوٌّ بالإيمان، قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عليه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراقٌ، ولذلك الإشراق إيقادٌ يؤذي منه الوسواس أُحرِق به، فهو كالسماء التي حُرسِت بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان ليتخطَّاها؛ رُجِم فاحترق، وليستِ السماءُ بأعظمَ حرمةً من المؤمن، وحراسة الله له أتمُّ من حراسة السماء، والسماء مُتعبَّد الملائكة ومُستقَرُّ الوحي، ومنها أنوارُ الطاعات، وقلب المؤمن مُستقَرُّ التوحيد، والمحبَّة، والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارُها، فهو حقيقٌ أن يُحرَس ويُحفَظ من كيد العدوِّ، فلا ينال منه شيئًا إلَّا على عنوة وغفلة.
وقد مُثِّل بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت؛ بيتٌ للملك فيه كنوزُه وذخائره وجواهره، وبيتٌ للعبد فيه كنوزُ العبد وذخائره وجواهره، وليس فيه ذخائر الملك وجواهره، وبيتٌ خالٍ صفر لاشيء فيه، فجاء اللصُّ ليسرق من أحد البيوت؛
فإن قلت: من البيت الخالي؛ كان محالًا؛ البيت الخالي ليس فيه شيءٌ يُسرَق؛ ولهذا قيل لابن عبَّاس: إنَّ اليهود تزعم أنَّها لا تُوسوَس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب، وإن قلت: يسرق من بيت الملك؛ كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإنَّ عليه من الحرس ما لا يستطيع اللصُّ الدنوَّ منه، كيف وحارسُه الملك نفسه؟! وكيف يستطيع اللصُّ الدنوَّ منه من الحرس والجند، فلم يبقَ إلَّا القلبُ الثالث، فهو الذي يشنُّ عليه الغارات. فيدلُّ هذا المثال على القلوب، فإنَّها على منواله؛ فقلبٌ خلا من الخير كلِّه، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان قد أحرزه لنفسه، واتَّخذه وطنًا، فأيُّ شيء يسرق منه وفيه ذخائرُه ووساوسه؟ وقلبٌ قدِ امتلأ من جلال الله ومراقبته، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟ وإن أراد سرقة شيء منه؛ فماذا يسرق؟ فغايته أن يخطف عليه على غرَّة من العبد وغفلة؛ إذ هو بشر، وأحكام البشريَّة جاريةٌ عليه من الغفلة، والسهو، والذهول، فهذا معنى ما تقدَّم من الأثر، وقلبٌ فيه توحيدُ الله تعالى ومعرفته، وفيه
ص 81
شهواتُ النفس، ودواعي الهوى، وقلبٌ بين هذين الداعيين؛ فمرَّةً يميل بقلبه إلى داعي الإيمان والمعرفة والمحبَّة لله، ومرَّةً يميل بقلبه إلى داعي الشيطان والطباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمعٌ، وله فيه منازلاتٌ ووقائعُ، يعطي الله النصر لمن يشاء، وهذا لا يتمكَّن الشيطان منه إلَّا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشيطان فيجد سلاحه عنده، فيأخذه، فيقاتله به، فإن كان عند العبد عدَّةٌ من الإيمان مقاومةً تلك العدَّة، وتزيد عليها؛ انتصف من الشيطان، وإلَّا؛ فالدولة لعدوِّه عليه، فإذا أذن العبد لعدوِّه، وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومكَّنه من السلاح ليقاتل به؛ فهوالملوم، قال الشاعر: [من الوافر]
~فنفسَكَ لُمْ ولا تَلُمِ المطَايَا ومُتْ كَمدًا فليسَ لكَ اعتِذارُ