فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 415

50 - (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) : إن قلت: ما وجه تفسير الإيمان بـ (أن تؤمن) ، وفيه تعريفُ الشيء بنفسه؟

قلت: ليس تعريفًا بنفسه؛ إذِ المرادُ من المحدود الإيمانُ الشرعيُّ، ومن الحدِّ الإيمانُ اللغويُّ، أو المتضمِّن للاعتراف؛ ولهذا عُدِّي بالباء؛ أي: أن تصدِّق معترفًا بكذا.

إن قلت: كيف قال هنا: (الإيمان أن تؤمن بالله) ، وفي حديث وفد عبد القيس قال [خ¦53] : «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله» ، وورد: «الإسلام هو أن تشهد أن لا إله إلا الله» .

قلت: أجيب: أنَّ المراد من الإيمان هنا الإسلام.

(وَبرُسُلِهِ) : قدَّم ذكر الملائكة على الرسول؛ اتِّباعًا لترتيب الوجود، فإنَّ الملائكة مُقدَّمةٌ في الخلق، أو لترتيب الواقع في تحقيق معنى الرسالة، فإنَّه يُقال: أرسل الله الملك إلى الرسول، لا تفضيلًا للملائكة على الرسل كما هو زعمُ المعتزلة، والإيمان بالرسل مستلزمٌ للإيمان بما أُنزِل عليهم؛ فلذلك أهمل ذكر الكتب، وكرَّر لفظ (تؤمن) ؛ لأنَّه نوع آخر من المؤمَن به؛ لأنَّ البعث سيوجد فيما بعد، وأخواته موجودة الآن.

(أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) : العبادة هي الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يُراد بها معرفةُ الله، فيكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها لإدخالها في الإسلام؛ لأنَّها لم تدخل تحت لفظ العبادة، واقتصر على هذه الثلاث؛ لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره، والباقي مُلحَق بها، وترك الحجَّ؛ لأنَّه لم يكن فُرِض، وإمَّا أنَّ بعض الرواة شكَّ فيه فأسقطه، انتهى

أقول: ورد في حديث ابن عمر: «وتحجَّ البيت» ، ولم يأتِ في رواية أبي هريرة ولا في حديث أُبيٍّ، ويحتمل أن يُراد به الطاعة مطلقًا، فيدخل جميع وظائف الإسلام، فيكون عطف الثلاثة عليها من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ؛ تنبيهًا على شرفه ومزيَّته.

(الإِحْسَانُ) : قال الطيبيُّ: (الإحسان على وجهين: الإنعام على الغير، والإحسان في الفعل، ويجوز أن يُحمَل هنا على الإنعام؛ وذلك لأنَّ المرائيَ يُبْطِلُ عمله، فيظلم نفسه، فقيل له: أحسنِْ إلى نفسك، واعبدِ الله كأنَّك تراه، وإلَّا؛ فتهلك، وعلى الثاني؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:36] ؛ أي: المتقنين في تعبير الرؤيا؛ كأنَّه سأل: ما الإجادةُ والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام؟ فأجاب بما ينبئ عن الإخلاص) .

ص 76

انتهى

وقال بعض المتأخِّرين: يُقال: أحسن الشيء؛ إذا زيَّنه وجمَّله؛ كأنَّه يقول: أخبرني عن الشيء الذي يزيِّن أركان الإسلام ويجمِّلها، فأجابه عليه السلام بما أجاب، فقد أشار بهذا إلى المراقبة بأن تجعل الحضور نصب عينيك في عبادة ربِّك، وألَّا تلتفت بظاهرك إلى ما يلهيك عن مقصودك، وبباطنك إلى ما يشغلك عن مشاهدة معبودك، وإن لم تكن لك هذه المرتبةُ من المشاهدة؛ فاعلم أنَّك بمرأًى من رقيبك، ولا تعترض عليك ريبةٌ في أنَّه يرى ظاهرك فزيِّنْه بالجوع، ويعلم باطنك فحسِّنْه بالإخلاص والحضور، وقال الخطَّابيُّ: الإحسان ههنا: الإخلاص، وهو شرط في صحَّة الإسلام والإيمان معًا؛ وذلك أنَّ من وصف الكلمة، وجاء بالعمل من غير نيِّة وإخلاص؛ لم يكن محسنًا، ولا كان إيمانُه في الحقيقة كاملًا وإن كان دمه في الحكم محقونًا، وكان بذلك من جملة المسلمين معدودًا.

فائدة: الألف واللام في قوله: (ما الإحسان؟) إشارة إلى المعهود في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] ، و {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن:60] ، و {أَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195] ؛ ولتكراره في القرآن، ولترتُّب الثواب عليه سأل عنه جبريل عليه السلام.

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) : قال بعض الصوفيَّة: يعني: إن غبت عن وجودك ولم تكن رأيته، وهذا حسنٌ لو ساعده الإعراب عليه، فإنَّ هذا شرط وجوابه؛ وهما مجزومان، ويكون اللفظ الصحيح: (فإن لم تكن ترَه) حتَّى يصحَّ المعنى.

إن قيل: هلَّا قيل: (فإن لم ترَه) ، بدل قوله: (فإن لم تكن تراه) مع أنَّه أخصر؟

وأجيب: بأنَّ المطابق لقوله: (أن تعبد الله كأنَّك تراه) أن يقول: (فإن لم تكن تراه) ؛ أي: فإن لم تكن كأنَّك تراه، لا أن تقول: (فإن لم ترَه) ، قاله السخوميُّ.

(أَشْرَاطِهَا) ؛ أيِ: السابقة، لا المقارنة؛ كطلوع الشمس من المغرب وغير ذلك، والأشراط: جمع، وأقلُّه ثلاثةٌ على الأصحِّ، وذُكِر اثنين على مذهب من قال: أقلُّه اثنان، وحُذِف الثالث؛ لحصول المقصود بما ذكر، وإنَّما ذكر جمع القلَّة والعلاماتُ أكثرُ من العشرة؛ لأنَّه قد تُستقرَض القلَّة للكثرة وبالعكس، أو لفقد جمع الكثرة للفظ الشروط، أو لأنَّ الفرق بالقلَّة والكثرة إنَّما هو في النكرات لا المعارف.

(رَبَّهَا) : إنّما أطلق الرَّبَّ على غير الله؛ لأنَّه من باب التشديد والمبالغة، أو الرسول مخصوص به، وورد في «مسلم» : (ربَّتها) ، وإدخال التاء يحتمل وجوهًا؛ منها: أن يكون صفةً جارَّةً لموصوف محذوف، وتقديره: أن تلد الأَمَة نفسًا أو نسمةً هي ربَّتُها، فعلى هذا يشمل الابن والبنت، ومنها: أن يكون المراد بها البنت، واكتفى بها عن ذكر الابن؛ لأنَّ البنت إذا كانت سيِّدةً لأمِّها ومعينة لها#؛ كان الابن بطريق الأَولى، ومنها: أنَّ الرسول عليه السلام كره أن يقول: ربَّها؛ تعظيمًا لجلال ربِّ العالمين، وكان عليه السلام ينهى عن ذلك، وهذا فيه وقفةٌ؛ إذ ورد: (ربَّها) ، ومعناه: أنَّها تلد مثل سيِّدها ومالكها، أراد كثرة السراري، واتِّساع الأموال، وقيل معناه: العقوق حتَّى يكون الولد لأمِّه في الغلظ والاستطالة كالسيِّد، وقيل: لمَّا كان الذي تلده من سيِّدها سبب عتقها؛ كان كالسيِّد المعتق لها.

ص 77

(فِي خَمْسٍ) : الانحصار في هذه الخمسة مع أنَّ الأمور التي لا يعلمها إلَّا الله كثيرةٌ؛ إمَّا لأنَّهم كانوا سألوا الرسول عن هذه الخمسة؛ فنزلت جوابًا لهم، وإمَّا لأنَّها عائدةٌ على هذه الخمس، وإنَّما سأل جبريل عن الساعة وهو يعرف أنَّ وقتها غير معلوم؛ لئلَّا يطمع أحدٌ في التطلُّع إليه.

(يُعَلِّمُ النَّاسَ) : أطلق العلم عليه؛ لأنَّه كان السبب، أو لمَّا كان غرضه التعلُّم؛ أُطلِق عليه.

وقوله: (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) ؛ أي: لا عينًا ولا أثرًا.

إشارة: ورد في رواية: «أتاكم يعلِّمكم دينكم» ، إن قيل: جبريل إنَّما جاءه عليه السلام، فكيف قال: (أتاكم) ؟

أجيب: بأنَّ المقصود من الإتيان لما كان تعلُّم الحاضرين وإفادتهم؛ فيكونون في قوَّة من أتاهم، ولأنَّه أتى المجلس الذي هم حاضرون فيه، فيكون آتيًا لهم.

إن قيل: كيف يليق بكبار الصحابة ألَّا يكونوا عالمين بدينهم؟

أجيب: بأنَّهم كانوا عالمين به إلَّا أنَّه جاء ليثبِّتهم على ما كانوا عليه.

فائدة: قال هنا: (جعل ذلك كلَّه من الإيمان) ، وأوَّلًا: (جعل ذلك كلَّه دينًا) ، أمَّا جعلُه دينًا؛ فظاهرٌ؛ حيث قال: «يعلِّمهم دينهم» ، وأمَّا جعله إيمانًا؛ فـ (من) ؛ إمَّا تبعيضيَّةٌ، والمراد بالإيمان: الإيمان الكامل المعتبَر عند الله تعالى وعند الناس، فلا شكَّ أنَّ الإسلام والإحسان داخلان فيه، وإمَّا ابتدائيَّةٌ؛ فلا يخفى أنَّ مبدأ الإسلام والإحسان هو الإيمان بالله؛ إذ لولا الإيمان به؛ لم تُتصوَّر العبادة له.

إشارة: (أَبُو حَيَّانَ) : يحيى بن سعيد بن حيَّان (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) : هرم.

فائدة: قوله: (وَبِلِقَائِهِ) و (تُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) : اختُلِف في الجمع بين الإيمان باللقاء والبعث؛ فقيل: اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل: اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب.

ثمَّ ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فإنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها، فإنَّها مختصَّة بمن مات مؤمنًا، ولا يدري الإنسان بمَ يُختَم له؛ كذا قالوه.

ولأهل السنَّة في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة ثلاثةُ أقوال؛ أحدها: لا يراه إلَّا المؤمنون، الثاني: يراه أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثمَّ يُحجَب عن الكفَّار، فلا يرونه بعد ذلك، الثالث: يراه المنافقون دون الكفَّار.

إشارة: إنَّما قيَّد الزكاة بالمفروضة؛ ليخرج صدقة التَّطوُّع، فإنَّها زكاة لغويَّة، وقيل: للاحتراز من الزكاة المعجَّلة قبل الحول، فإنَّها زكاة غير مفروضة، أو للتأكيد، وإنَّما فرَّق بين الصلاة والزكاة في التقييد، فقال في الأولى: «المكتوبة» ، وفي الثانية: «المفروضة» ؛ للبلاغة.

و (الرُّعَاةُ) : بضمِّ الراء، ويُقال أيضًا: بكسر الراء والمدِّ من غير هاء.

و (البُهْمُ) : بضمِّ الموحَّدة، قال الدمياطيُّ: السود، وهي أدون الإبل وشرُّها؛ لأنَّ الكرام منها الصفرُ والبيض، ورُوِي للأصيليِّ: بفتح الباء، وهو خطأ؛ لأنَّ البَهمة ليست من صغار الإبل، وإنَّما هي من ولد الضأن والمعز، قاله ابن بطَّال، ولابن قُرْقُول: فيها كلامٌ في «مطالعه» ، وقال النوويُّ: بضمِّ الباء بلا خلاف.

خاتمة: في «الدارقطنيِّ» في آخر هذا الحديث: «فوالذي نفسي بيده؛ ما شُبِّه عليَّ مذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى» ، وزاد سليمان التيميُّ في الحديث من طريق ابن عمر: «وتغتسل وتتمَّ الوضوء» ، قال ابن حبَّان: تفرَّد بها، أقول: وهو ثقة بإجماع، وفيه بَعْدَ (وتحجَّ البيت) : (وتعتمر) ، وصحَّحها الحاكم وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت