46 - (ثَائِرُ الرَّأْسِ) : أوقع اسم الرأس على الشعر؛ إمَّا لأنَّ الشعر منه ينبت؛ كما يُطلَق اسم السماء على المطر؛ لأنَّه من السماء ينزل، وإمَّا لأنَّه جعل نفس الرأس ذا ثوران على طريق المبالغة، أو يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقليَّة.
(دَُوِيُّ) : بفتح الدال وضمِّها، قال الحمزيُّ: فتح الدال أصوبُ؛ شدَّة الصوت وبُعده في الهواء.
(عَنِ الإِسْلَامِ) : أي: عن فرائضه؛ ولهذا لم يذكر فيه الشهادتان؛ لأنَّه علم أنَّ الرجل يسأل عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنَّه سأل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادة، فلم يسمعها طلحة؛ لبُعد موضعه، أو لم ينقله؛ لشهرته، ويحتمل أنَّه سمَّى الأفعال إسلامًا كما سُمِّيت إيمانًا في قوله تعالى: {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] .
(تَطَّوَّعَ) ؛ بتشديد الطاء والواو على إدغام إحدى التاءين في الطاء، وقيل: يجوز تخفيف الطاء على الحذف، والأصليَّة أولى بالإسقاط من العارضة الزائدة؛ لأنَّ الزائدة إنَّما دخلت لإظهار معنًى، فلا تُحذَف؛ لئلَّا يزول العارض الذي لأجله
ص 70
دخلت.
(وَذَكَرَ لَهُ) : هذا قول الراوي، فإنَّه نسي ما نصَّ عليه عليه السلام، أو التبس عليه، فقال: (ثمَّ ذكر له الزكاة) ، وهذا يؤذن بأنَّ مراعاة الألفاظ مشروطةٌ في الرواية، فإذا التبس عليه؛ يشير في لفظه إلى ما ينبئ عنه؛ كما فعل هنا.
(وَاللهِ لَا أَزِيدُ) : فيه جوازُ الحلف من غير استحلاف، وقال الدميريُّ في «شرح المنهاج» : (يحتمل أنَّه سبقَ لسانُهُ إلى اليمين، فكأنَّه من اللَّغو) .
(أَفْلَحَ) : الفلاح؛ قيل: عبارة عن أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنًى بلا فقر، وعزٌّ بلا ذلٍّ، وعلم بلا جهل.
إشارة: جاء في موضعٍ آخرَ من «البخاريِّ» و «مسلم» [ (9) (11) ] : «أفلح وأبيه إن صدق» ؛ هي كلمة جرت عادة العرب أن يدخلوها في كلامهم غير قاصدين حقيقة الحلف، والنهيُ إنَّما ورد ممَّن قصد الحقيقة؛ لما فيه من إعظام المحلوف به، ومضاهاته بالله تعالى، وقيل: إنَّه كان قبل النهي، قاله الكرمانيُّ، وقال شيخي: (فيه إضمارٌ؛ أي: وربِّ أبيه) ، وأُجيب عن ذلك أيضًا: بأنَّه يحتمل أن تكون: (أفلح والله) ، فقصر الكاتب اللامين، فصارت: (وأبيه) ، أو خصوصيَّة ذلك بالشارع دون غيره، وهذه دعوى لا برهانَ عليها، وأغرب القرافيُّ حيث قال: هذه اللفظة _ وهي: (وأبيه) _ اختُلِف في صحَّتها، فإنَّها ليست في «الموطَّأ» ، وهذا عجيب، فالزيادة ثابتة لا شكَّ في صحَّتها ولا مرية، والله أعلم.
إشارة: يحتمل أن يكون السائل رسولًا، فحلف لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت، ولا أنقص في تبليغ الرسالة.
وقيل: الفلاح راجعٌ إلى قوله: (ولا أنقص) خاصَّةً، والأظهر أنَّه راجع إليه وإلى الزيادة؛ بمعنى أنَّه إذا لم يزِدْ، ولم يُنقِص؛ كان مفلحًا؛ لأنَّه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه؛ كان مفلحًا، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك؛ لا يكون مفلحًا؛ لأنَّ هذا ممَّا يُعرَف بالضرورات، فإنَّه إذا أفلح بالواجب؛ ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَولى، وقال شيخنا رحمه الله تعالى: (إن قلت: كيف أقرَّه على الحلف وقد ورد النكير على من حلف ألَّا يفعل خيرًا؟ أجيب: بأنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنَّه لا إثمَ على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كان غيره أفلحَ منه، وقال الطيبيُّ: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه على طريق المبالغة في التصديق بالقبول؛ أي: قبلت كلامك قبولًا لا يزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه على طريق القبول) ، انتهى
عبرة: إن قلت: كيف قال: (لا أزيد على هذا) ، وليس فيه جميع الواجبات، ولا المنهيَّات، ولا السنن المندوبات، وأقرَّه الشارع، وزاد بقوله: «أفلح إن صدق» ؟
فالجواب: أنَّه جاء في رواية البخاريِّ زيادةٌ توضِّح ذلك، قال [خ¦1891] : (وأخبره عليه السلام بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك؛ لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقِص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا) ، فعلى عموم قوله: (بشرائع الإسلام) ، وقوله: (ممَّا فرض الله) يزول الإشكال في الفرائض،
ص 71
وأمَّا النوافل؛ فيحتمل أنَّ هذا كان قبل شروعها، ويحتمل أنَّ المراد: أنَّه لا يزيد في الفرائض بتغيير صفته؛ كأنَّه قال: (لا أصلِّي الظهر خمسًا) ، وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنَّه قال فيما أسلفناه: (لا أتطوَّع) ، والجواب الصحيح: أنَّه على ظاهره، وأنَّه أراد ألَّا يصلِّيَ النوافل، بل يحافظ على كلِّ الفرائض، وهذا مفلحٌ بلا شكٍّ، وإن كانت مواظبته على ترك النوافل مذمومةً، وتُرَدُّ بها الشهادة إلَّا أنَّه غير آثم، بل هو مفلحٌ ناجٍ، وإن كان فاعلُ النوافل أكملَ فلاحًا منه، انتهى
تنبيه: لم يذكرِ الحجَّ، فيحتمل أنَّه لم يُفرَض إذ ذاك، أو أنَّ الرجل سأل عن حاله حيث قال: (عليَّ غيرها؟) ، فأجاب صلَّى الله عليه وسلَّم بما عرف من حاله، ولعلَّه ممَّن لم يكن الحجُّ واجبًا عليه، أو كان الحجُّ معروفًا عندهم من شريعة إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم.
خاتمة: موضع الدلالة لما ترجم له وهو كون الزكاة من الإسلام: قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام، فذكر الصوم، والصلاة، والزكاة) ، وهذا ظاهر في كونها من الإسلام، وهو والإيمان بمعنًى، وكذا قوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيِّنة:5] ، فإنَّه إشارة إلى الصلاة والزكاة.