36 - (أَوْ أُدْخِلَهُ) : قال البيضاويُّ: يحتمل أن يدخله عند موته؛ كما قال تعالى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] ، ويحتمل أن يكون المراد الدخول عند دخول السابقين والمقرَّبين بلا حساب ولا عذاب ولا مُؤاخَذة بذنوب، وتكون الشهادة مكفِّرةً لها، وأقول: للمجاهد حالتان: الشهادة والسلامة؛ فالجنَّة للحالة الأولى، والأجر والغنيمة للثانية.
فإن قلت: لفظة (أو) في قوله (أو غنيمة) تدلُّ على أنَّ للسالم إمَّا الأجر وإمَّا الغنيمة لا كلاهما!
قلت: معناها أنَّ اللفظ لا ينفي اجتماعهما، بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر، فقد يجتمعان.
فإن قلت: ههنا حالةٌ ثالثة للسالم، وهو الأجر بدون الغنيمة.
قلت: هذه الحالة داخلةٌ تحت الحالة الثانية؛ إذ هي أعمُّ من الأجر فقط، أو منه مع الغنيمة، انتهى، قد جاء في «مسلم» : «مع أجر وغنيمة» [ (104) (1876) ] ، فيحتمل أن تكون (أو) بمعنى الواو، انتهى
فإن قلت: الأجر ثابت للشهيد
ص 58
الداخل في الجنَّة، فكيف يكون السالم والشهيد مفترقين في أنَّ لأحدهما الأجر وللآخر الجنَّة، مع أنَّ الجنَّة أيضًا أجر؟
قلت: هذا أجر خاصٌّ، والجنَّة أجرٌ أعلى منهما، فهما متغايران، أو أنَّ القسمين هما الرجع والإدخال، لا الأجر والجنَّة.
(لَوَدِدْتُ) : هو من كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويؤيِّده ما في «صحيح الحاكم» من حديث أنس _وقال: على شرط مسلم_: «أسألك يا ربِّ أن تردَّني إلى الدنيا، فأُقتَل في سبيلك عشر مرَّات؛ لما يرى من فضل الشهادة» ، وله عن جابر صحيحًا: كان عليه السلام إذا ذكر أصحاب أحد؛ قال: «والله لوددت أنِّي غُودِرت مع أصحابي بنُحص الجبل» ، وبعضهم نقل أنَّ قوله: (لوددت) من كلام أبي هريرة، وهو بعيد.
فائدة: فيه من التوارد عدمُ نقصان الأجر بالغنيمة، فإنَّها بفضل الله، والأجر على القتال، وأهل بدر أفضل المجاهدين، ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة، وأمَّا الحديث: «ما من غازية أو سريَّة تغزو وتغنم وتسلم؛ إلَّا كانوا قد تعجَّلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سريَّة تخفق أو تُصاب؛ إلَّا تمَّ أجورهم» ، والإخفاق: أن يغزوَ فلا يغنم شيئًا.
فالجواب عنه من أوجه: الأوَّل: الطعن في هذا؛ ففي إسناده: حُمَيد بن هانئ، وليس بالمشهور، ولكن [أخرج] له مسلمٌ، وكذا الترمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجه، وذكره ابن يونس في «تاريخه» .
الثاني: أنَّ الذي يُخفِق يزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم، ويُضاعَف لها كما يُضاعَف لمن أُصيب بأهله وماله.
الثالث: حمل الأوَّل على من أخلص في النيَّة؛ لقوله: «لا يخرجه إلَّا الإيمان بي» ، وحمل الثاني على من خرج بنيَّة الجهاد والمغنم، قال عياض: والأَوجه استعمال كلِّ حديث على وجهه، فأجرُ من لم يغنم أعظمُ من أجر من غنم، وقال النوويُّ: الصواب أنَّه لا تعارضَ بينهما، فإنَّ الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أنَّ الغزاة إذا سلموا وغنموا؛ يكون أجرهم أقلَّ من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم، وأنَّ الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت؛ فقد تعجَّلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة، ومنها قولهم: (فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنَّا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها) [خ¦1276] ؛ أي: يجتنيها، فهذا هو الصواب، ولم يأتِ حديثٌ صريح يخالف هذا، وقد اختار القاضي معنى هذا بعد حكايته أقوالًا فاسدة، فلا تعارُضَ إذن؛ لأنَّ الحديث الأوَّل لم يقل فيه: إنَّ الغنيمة تنقص الأجر، فهو مُطلَق، والثاني مُقيَّد، فأمَّا الاستدلال بغزوة بدر؛ فليس فيه أنَّهم لو لم يغنموا؛ لكان أجرهم على قدر أجورهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم لا يلزم منه ألَّا يكون فوقه مرتبةٌ أخرى هي أفضل، ثمَّ ضعَّف بقيَّة الأقوال التي حكاها القاضي معارضتها لصريح الحديث.
فائدة:
ص 59
إنَّما جعل النهاية القتل، والقرار إنَّما هو الحياة؛ لأنَّ المراد هو الشهادة، فختم الحال [عليها] ، أو أنَّ الإحياء للجزاء هو معلومٌ شرعًا، فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنَّه ضروريُّ الوقوع، و (ثمَّ) ههنا وإن دلَّ على التراخي في [الزمان؛ حمله على التراخي في] الرتبة هو الوجه؛ لأنَّ التمنِّيَ حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى.
إشارة: (أبو زرعة) هذا: هرم أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عمرو.
و (انْتَدَبَ) : ضمن وتكفَّل، أو أجاب رغبته، وقال ابن بطَّال: أوجب وتفضَّل؛ أي: حقَّق وأحكم؛ أي: ينجز ذلك لمن أخلص، انتهى، أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وهو بالنون، وعن القابسيِّ: (ائتدب) ؛ بهمزة صورتها ياء؛ من المأدبة، ومعناه: أجاب الله من دعاه إلى غفرانه.
و (أَرْجِعَهُ) ؛ بفتح الهمزة ثلاثيٌّ، وهذيل تقول: رباعيًّا.