20 - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) ؛ بالتخفيف والتشديد، قال سهل بن المتوكِّل: سمعت محمَّد بن سلام يقول: أنا محمَّد بن سلَام؛ بالتخفيف، ولست محمَّد بن سلَّام، وذكر بعض الحفَّاظ أنَّ تشديده لحنٌ، وادَّعى ابن قرقول أنَّ التشديد رواية الأكثرين، قال ابن الملقِّن: ولعلَّه أراد أكثر شيوخه أو نحو ذلك، قال النوويُّ: لا نوافق على هذه الدعوى؛ فإنَّها مخالفة للمشهور.
( {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ... } ) ؛ الآية [البقرة:225] : معناه: بما قصدتموه وعزمتْ عليه قلوبُكم، فكسبُ القلبِ عزمُه ونيَّته، فسمَّى الاعتقاد فعلًا للقلب، وأخبر تعالى أنَّه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلَّا بما اعتقدته قلوبهم، فثبت أنَّ العقد من صفات القلوب؛ خلافًا للكرَّاميَّة وبعض المرجئة؛ حيث قالوا: إنَّ الإيمان قولٌ باللسان دون عقد بالقلب، وفي الآية دليلٌ للمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور: أنَّ أفعال القلوب إذا استقرَّت؛ يُؤخَذ بها، وأمَّا قوله عليه السلام [خ¦5269] : «إنَّ الله تجاوز لأمَّتي ما حدَّثتْ به أنفسَها، ما لم تعمل به أو تتكلَّم» ؛ محمولٌ على ما إذا لم يستقرَّ، وذلك معفوٌّ عنه بلا شكٍّ؛ لأنَّه لا يمكن الانفكاك عنه؛ بخلاف الاستقرار.
فائدة: قوله: (بابُ قَوْلُِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ) ؛ الترجمة: وجه تعلُّق هذه الترجمة بالإيمان: أنَّ العلمَ بالله وكذا المعرفة التصديقُ به، والإيمان إمَّا التصديق أو التصديق مع العمل، فالمقصود بيان أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أشدُّ إيمانًا منهم، وبيان أنَّ الإيمان هو أو بعضه فعل القلب ردًّا على الكرَّاميَّة.
و (كَهَيْئَتِكَ) : الهيئة: الحالة والصورة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه السلام، فلا بدَّ من تأويلٍ في أحد الطرفين، فقيل: المراد من (كَهَيْئَتِكَ) : كمثلك؛ أي: كذاتك أو كنفسك، وزيد لفظ المثل للتأكيد؛ نحو: مثلك لا يبخل، أو مِن (لسنا) : ليس حالنا، فحُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، واتَّصل الفعل بالضمير فقيل: (لسنا) ، وقالوا ذلك؛ رغبةً في الزيادة في الأعمال؛ لما علموا من دأبه فيها مع كثرة ذنوبهم وغفران ما تقدَّم له وما تأخَّر؛ فحينئذٍ غضب؛ لأنَّه أَولى منهم بالعمل؛ لعلمه بما عند الله وعظم خشيته له تعالى، {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] ، وقيل: قالوه لما علموا منه من طلب التيسير عليهم وظنِّهم أنَّه لا ينجيهم إلَّا بلوغ الغاية في العبادة.
فائدة: التقوى على ثلاث مراتب: وقاية
ص 42
النفس عن الكفر وهو للعامَّة، وعن المعاصي وهو للخاصَّة، وعمَّا سوى الله وهو لخواصِّ الخواصِّ، والعلم بالله يتناول ما بصفاته؛ وهو المسمَّى بأصول الدين، وما بأحكامه؛ وهو فروع الدين، وما بكلامه؛ وهو علم القرآن وما يتعلَّق به، وما بأفعاله؛ وهو معرفة حقائق إنشاء العالم.
ولمَّا كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جامعًا لأنواع التقوى حاويًا لأقسام العلوم؛ ما خصَّص التقوى ولا العلم وأطلق، وهذا قريب ممَّا قال أهل المعاني: قد يُقصَد بالحذف إفادةُ العلوم والاستغراق، ويُعلَم منه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما أنَّه أفضل من كلِّ واحد، وأكرم عند الله وأكمل؛ لأنَّ الإنسان منحصرٌ في الحكمتين العلميَّة والعمليَّة، وهو الذي بلغ الدرجة العليا والرتبة الأقصى منهما؛ يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع معًا أيضًا؛ حيث قال: «أتقاكم وأعلمكم» ؛ خطابًا للجميع صلَّى الله عليه وسلَّم.
فإن قلت: لا تعلُّق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة، وهو أنَّ المعرفة فعل القلب، فلا دلالة له عليه، لا دلالةً وضعيَّةً ولا عقليَّة.
قلت: يمكن أن يُوجَّه وإن كان احتمالًا بعيدًا بأنَّه يدلُّ عليه بحسب السياق؛ ليتجاوب طرفا الكلامين؛ أي: لمَّا أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمله؛ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا يتهيَّأ لكم ذلك؛ لأنِّي أعلمُكم، والعلم من جملة الأفعال، بل من أشرفها؛ لأنَّه عمل القلب، وأن يُقال: بأنَّ غرضه أن ينهيَ الشقَّ الأوَّل من الترجمة بالحديث، والثاني بالقرآن والله تعالى أعلم.
خاتمة: قال الكرمانيُّ: اختلف العلماء في محلِّ العلم الحادث، وهو غير متعيِّن عند أهل الحقِّ عقلًا، بل يجوز أن يخلقه الله تعالى في أيِّ جوهر أراد، لكن دلَّ السمع على أنَّه القلب؛ لقوله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحجُّ:46] ، انتهى
اعلم أنَّ العقل قيل: هو التمييز الذي يميَّز به الإنسان عن سائر الحيوان، وهو ضدُّ الحمق، وقال المحاسبيُّ: هو نور في القلب فيستعدُّ الإدراك، وذلك يقلُّ ويكثر، فإذا قوي؛ قمع ملاحظة الهوى، وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقل، فقال: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا} [الطور:32] ، وكانت قريش تُدْعى أهلَ الأحلام والنُّهى؟ فقال: تلك عقولٌ كادها الله تعالى؛ أي: لم يصحبها التوفيق، وقال قومٌ: {أحلامهم} : أذهانهم، وإنَّ العقل لا يُعطَى لكافر؛ إذ لو كان له عقلٌ؛ لآمن، إنَّما يُعطَى الكافر الذهن، وروى الحكيم الترمذيُّ أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله؛ ما أعقلَ فلانًا النصرانيَّ! قال: «مه، إنَّ الكافر لا عقلَ له، أمَا سمعت قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10] » ، وأجاب الجمهور بحمل هذا على العقل النافع.
واختلف العلماء في محلِّه؛ فقال أصحابنا
ص 43
وجمهور المتكلِّمين: إنَّه في القلب، وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطبَّاء: إنَّه في الدماغ.