، ــ ،
أَحَقُّ مَا أَسْتَفْتِحُ بِهِ الْكَلامَ ، الْحَمْدُ لِمَوْلانَا الْكَرِيْمِ ، وَأَفْضَلُ الْحَمْدِ مَا حَمِدَ بِهِ الْكَرِيْمُ نَفْسَهُ ، فَنَحْنُ نَحْمَدُهُ بِهِ Y « الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا . قَيِّمًَا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًَا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًَا حَسَنًَا . مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًَا » ( الْكَهْفُ 18/3) ، و « الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ » ( سَبَأٌ 34/2) .
أَحْمَدُهُ عَلَى قَدِيْمِ إِحْسَانِهِ ، وَتَوَاتُرِ نِعَمِهِ ، حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ، وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عَظِيمًَا . وَأَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ ، وَالشُّكْرَ عَلَى مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ ، إنَّهُ « ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ » ( آلَ عِمْرَانَ 3/174) .
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ ، وَنَبِيِّهِ ، وَأَمِينِهِ عَلَى وَحَيِّهِ وَعِبَادِهِ ، صَلاةً تَكُونُ لَهُ رِضًَا ، وَلَنَا بِهَا مَغْفِرَةً ، وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ ، وَسَلَّم كَثِيرًَا طَيِّبًَا .
أمَّا بَعْدُ .. فَإِنِّي قَائِلٌ ، وَبِاللهِ أَثِقُ لِلتَّوْفِيقِ وَالصَّوَابِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، وَلا قُوْةَ إِلا باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ Y
أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعْلَمَهُ فَضْلَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ ، وَأَعْلَمَ خَلْقَهَ فِي كِتَابِهِ ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ Y أَنَّ الْقُرْآنَ عِصْمَةٌ لِمَنْ اِعْتَصَمَ بِهِ ، وَحِرْزٌ مِنْ النَّارِ لِمَنْ اتَّبَعَهُ ، وَنُورٌ لِمَنْ اِسْتَنَارَ بِهِ ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ، وَهُدَىً وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ .
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ خَلْقَهُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ Y فَيُحِلُوا حَلالَه ، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ ، وَيُؤْمِنُوا بِمُتَشَابَهِهِ ، وَيَعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ ، وَيَقُولُوا « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا » ( آل عمران 3/7) .
ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى تِلاوَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ Y النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ ، وَالدُّخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ .
ثُمَّ نَدَبَ خَلْقَهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هُمْ تَلَوْا كِتَابَهُ أَنْ يَتَدَبَّرُوهُ ، وَيَتَفَكَّرُوا فِيهِ بِقُلُوبِهِمْ ، وَإِذَا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ Y أَحْسَنُوا اِسْتِمَاعَهُ .
ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ ، فَلَهُ الْحَمْدُ .
ثُمَّ أَعْلَمَ خَلْقَهَ Y أَنْ مَنْ تَلا الْقُرْآنَ ، وَأَرَادَ بِهِ مُتَاجَرَةَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ ، فَأَنَّهُ يُرْبِحُهُ الرِّبْحَ الِّذِي لا بَعْدَهُ رِبْحٌ ، وَيُعَرِّفُهُ بَرَكَةَ الْمُتَاجَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ Y جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ ، وَمَا سَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ ، بَيَانُهُ فَي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْ قَوْلِ صَحَابَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَسَأَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ ، واللهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ .
وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ » ( فَاطِرُ 35/30،29) .
وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « إِنِّ هَذا القُرآن يَهدي لِلَتي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجْرًَا كَبِيْرًَا . وَإِنَّ الَّذينَ لا يُؤمِنونُ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمُ عَذَابًَا أَلِيمًَا » ( الإسْرَاءُ 17/10،9) .
وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « وَنُنَزَّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًَا » ( الإسْرَاءُ 17/82) . وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ » ( يُونُسُ 10/57) . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًَا مُّبِينًَا . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًَا مُّسْتَقِيمًَا » ( النِّسَاءُ 4/175،174) . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ » ( آلَ عِمْرَانَ 3/103) وَحَبْلُ اللهِ هُوَ الْقُرْآنُ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ » ( الزُّمَرُ 39/23) . وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًَا عَرَبِيًَّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًَا » ( طَهْ 20/113) .
ثُمَّ إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ لِمَنْ اِسْتَمَعَ إِلَى كَلامِهِ ، فَأَحْسَنَ الأَدَبَ عِنْدَ اِسْتِمَاعِهِ بِالاعْتِبَارِ الْجَمِيلِ ، وَلُزُومِ الْوَاجِبِ لاتِّبَاعِهِ ، وَالْعَمَلِ بِهِ ، يُبَشِّرُهُ مِنْهُ بِكِلِّ خَيْرٍ ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلَ الثَّوابِ .
فقال عَزَّ وَجَلَّ « فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ » ( الزُّمَرُ 39/18،17) . وقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ » إِلَى قَوْلِهِ « وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ » ( الزُّمَرُ 39/55،54) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ Y فكلُّ كَلامِ ربِّنا حَسَنٌ لِمَنْ تَلاهُ ، وَلِمَنْ اِسْتَمَعَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا هَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ صِفَةُ قَوْمٍ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ تَتَّبَعُوا مِنْ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ مَا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى ، مِمَّا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ مَوْلاهُمُ الْكَرِيْمُ ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ رِضَاهُ ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ، سَمِعُوا اللهَ قَالَ « وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » ( الأعراف 7/204) ، فَكَانَ حُسْنُ اِسْتِمَاعِهِمْ يَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّذَكُّرِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ ، وَسَمِعُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ « فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ » ( ق 50/45) .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ عَنِ الْجِنِّ ، وَحُسْنِِ اِسْتِمَاعِهِمْ لِلْقُرْآنِ ، وَاِسْتِجَابَتِهِمْ فِيمَا يَجْذِبَهُمْ إِلَيْهِ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ ، فَوَعَظُوهُمْ بِمَا سَمِعُوا مِنْ الْقُرْآنِ بِأَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَوْعِظَةِ . قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًَا » ( الْجِنُّ 72/1) .
وقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ « وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ » ( الأحْقَافُ 46/31Y29) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ Y وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، مَا دَلَّنَا عَلَى عَظِيمِ مَا خَلَقَ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَجَائِبِ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَعَظِيمَ شَأْنِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ وَعَظِيمَ شَأْنِهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ الجنَّة ، وما أَعَدَّ فِيهَا لأَوْلِيَائِهِ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ « لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ » ( ق 50/35) إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ « إِنَّ فِي ذَلِكَ لِذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » ( ق 50/37) .