الناعمة تملكها تياراتٌ ومنظماتٌ كثيرة في العالم وليست خاصة بالحكومات والدول، وهذه معلومة أراد أن يستثمرها وأن يقنع قومه بأهمية هذا النوع من القوة.
ومن أهمِّ ما ذكره جوزيف في كتابه تحديد مفهوم القوة فإنه ذكر أن القوة ليست التسلط على الغير، ولا القدرة على إصدار الأوامر والنواهي، قال: (إنما القوة هي القدرة على التأثير والحصول على النتائج)
هذه القوة من يتأمل في حال التيارات العلمانية، والتيارات التغريبية في العالم الإسلامي والعربي يجد أنهم يعتمدون عليها كثيرًا من خلال قنواتهم ومجلاتهم ومنتجهم الفكري، فتراهم يعتمدون على التأثير في عقول الناس وفي تصوراتهم وأحكامهم بحيث أن الناس يمكن أن يكونوا مُتَّبِعِين لهم أو يكونوا على الأقل متعاطفين معهم.
فهذا النوع من القوة ركَّز عليه كثيرٌ من الساعين بالفساد في الأرض.
-خلاصة ما أريد أن أقوله في هذا السبب أننا نهتم بتكوين وعي المسلم المعاصر، لأن الوعي يتعلق بجانبٍ من أخطر الجوانب التي تؤثر في حياة الناس وهو الجانب الفكري، وقد ذكرنا دلائل متعددة على أن الجانب الفكري خَطِرٌ جدًا على حياة الناس، فمن يهتم بتكوين الوعي الفكري فهو في الحقيقة يشتغل بأمرٍ خطيرٍ ومؤثرٍ جدًا.
فبما أن الوعي - كما سبق معنا - من أعمق ما يؤثر في حياة الناس فهو إذًا داخلٌ بالضرورة في الأمر بالإعداد بالقوة الوارد في قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ] الأنفال:60 [
فالأمر بالقوة في هذه الآية المراد به الاشتغال بالإعداد في كلِّ ما يؤثر في قوة الحق ونصرته.
فإذا خرجنا من خلال السبب الأول أن أقوى ما يؤثر في تصرفات الناس، وفي قَبول الناس للأفكار وعدم قَبولهم هو طبيعة ما يحملونه في عقولهم من الأفكار، إذًا النتيجة أن أعظم ما يدخل في إعداد القوة التي أمرنه الله بها في هذه الآية هو تكوين العقلية الواعية لدى المسلمين.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: (أي وأعدُّوا لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم ما استطعتم من قوة، أي كلَّ ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يُعينُ على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تُعْمَلُ فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطيَّارات الجوية والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق وآلات الدفاع والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويدفعوا عنهم به شرُّ أعدائهم وتعلُّم الرمي والشجاعة والتدبير)