الصفحة 4 من 21

ومعنى هذه الآية أن الله عز وجل يُخبر عن سُنةٍ من السُّنن الكونية التي جعلها حاكمةً في الكون وهي أن الله تعالى لا يُغيِّرُ من حال الناس من صلاحٍ وفساد حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم من صلاحٍ وفساد، فإذا أراد الناس الذين يعيشون في فساد أن يُغيِّر الله من حالهم ذلك فليبدؤوا هم بأنفسهم ويُغَيِّروا من الفساد الذي يحملونه في كياناتهم وفي مجتمعاتهم فستتغير حياتهم، وإذا غيَّر الناس حالهم الصالح إلى حالٍ فاسد فإن الله سيُغيِّر حالهم من صلاحٍ إلى فساد.

ولأجل خطورة الجانب الفكري في حياة الناس حرص الأعداء على هذا الجانب بشكلٍ كبيرٍ جدًا، ولهذا حرصت القوة العُظمى في هذا العصر وهي القوة الأمريكية على أن تسلك مسلكًا جديدًا في الحروب أسمته (حرب الأفكار) وهذا مصطلحٌ أطلقته بعض المنظمات الأمريكية وتقصد به أن هناك نوعًا من الحرب يمكن أن يُحارب به الأعداء ليست حربًا مباشرة، ولا حربًا بالسلاح ولا بالعتاد ولا بالرصاص، وإنما حربٌ عن طريق الأفكار.

يقول رامسفلد في حوارٍ له في صحيفة (الواشنطن بوست) إبان غزو العراق: (نحن نخوض حرب أفكارٍ مثلما نخوض حربًا عسكرية، ونؤمن إيمانًا قويًا بأن أفكارنا لا مثيل لها)

ويضيف قائلًا: (إن تلك الحرب تهدف تغيير المدارك، وإن من المحتم الفوز فيها، وعدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها)

ويقول بارك أوباما في كتابه (جرأة الأمل) : (إن أمريكا تخوض في الشرق الأوسط صراعًا مُسلحًا، وتخوض في الوقت نفسه حرب أفكار)

ويقول توماس فرديان: (إذا أراد الغرب تجنب حرب الجيوش مع الإسلام، فإن عليه خوض حرب المبادئ في داخل الإسلام)

فتلاحظون أن كلَّ هذه العبارات تصُبُّ في معنىً واحد وهو أن هناك نوعًا من الحروب مؤثرةٌ في نفوس الناس والمجتمعات كثيرًا وهي حرب الأفكار، يحاربون الناس في الأفكار التي يحملونها، فينتصرون عليهم، ويُغيِّرون من قناعتهم ومن تصرفاتهم.

ولأجل هذا أطلق مساعد الوزير الأمريكي جوزيف سيناي مصطلحًا أسماه (القوة الناعمة) وألَّف كتابًا بهذا العنوان وهو مترجم إلى العربية، وعرَّف القوة الناعمة بقوله: (هي القدرة على الحصول على ما تريده عن طريق الجاذبية والإقناع بدلًا من الإرغام ودفع الأموال)

وذكر جوزيف أن هذه القوة لها تأثيرٌ كبير في المجتمعات، ولها أثرٌ عميق في تغيير تصرفاتهم وسلوكهم، وأشار إلى أن جدار برلين سقط بالتلفزيون والأفلام السينمائية قبل سقوطه الحِسْي سنة 1989 م، فالجدار سقط حِسْيًَّا سنة 1989 م ولكنه يقول هو سقط من نفوس الناس، ومن عقول الناس، ومن حياة الناس قبل ذلك بأسلحةٍ أخرى مختلفة عن سلاح النار والعتاد وهو سلاح السينما والتلفزيون التي ترسل إلى الناس أفكارًا تؤثرُ في نفوسهم وحياتهم، ثمَّ بيَّن أن القوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت