الصفحة 15 من 21

، أو على جماعةٍ ما باعتبار وعيها، فلننظر في هذه القوانين، هل التزموا بها؟ هل طبقوها بطريقةٍ صحيحةٍ أم لا؟ فهي إذًا قوانين يلتزم بها الإنسان في حياته، وهي أيضًا معايير يمكن أن نحكم بها على الآخرين.

1 -القانون الأول: الموازنات

ومعنى الموازنات أو حُسْنُ الموازنة أن يكون الإنسان ملتزم بمبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد، وأن يكون هذا المبدأ حاضر في كل تصرفاته التي يقوم بها، فلابد أن يكون هذا القانون معيارًا يُحاكِمُ به من يقوم به من أعمالٍ وسلوك، فينظر في العمل الذي يحقق أكبر قدرٍ من المصلحة فيقوم به، أو ينظر في عملٍ يحقق أكبر قدرٍ من دفع المفسدة فيعتمده ويجعله معتمدًا عنده، فالاعتماد على الموازنات هو من أقوى القوانين التي تدلُّ على الوعي المعاصر، بناءً على الموازنات يمكن للإنسان أن يتخلى عن بعض الأشياء، ويمكن للإنسان أن يتخلى عن بعض التصريحات، ويمكن للإنسان أن يُقْدِم، ويمكن للإنسان أن يُحْجِم لأجل مصلحةٍ أو لأجل دفع مفسدة.

ومن أكبر الشواهد على ذلك قصة الحديبية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أراد أن يكتب العهد والميثاق بينه وبين كفار قريش، قال: اكتب هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، فاعترض عليه المشرك وقال: لو كنت رسول الله ما حاربناك، فأنت لست رسول الله.

فلاحظ أن المشرك الآن يعترض على قيمة كُبرى، وعلى حقيقة يقينية عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أنه رسول الله، ومع ذلك تخلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التصريح بهذه الحقيقة، نعم لم يتخلى عنها في حقيقتها، وإنما تخلى عن التصريح بها وكتابتها، لماذا فعل ذلك؟ لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا لأنه كان يُراعي الموازنات، يُراعي المصلحة والمفسدة، فَفِعْلُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لنا إنما هو دعوةٌ للتخلي عن التصريح بكوني رسول الله، وليس عن التخلي في الحقيقة أني رسول الله، فتنازل عن ذلك لتتم مصلحة كُبرى.

لو تأمل كثيرٌ من المُشتغلين في المشروع الإسلامي في هذه الحقيقة وفي هذا القانون لَحُلَّت كثير من المشكلات التي يُمارسها أصحاب العنتريات أحيانًا، وأصحاب التصريحات الرنانة، كثيرٌ من التصريحات التي يُطلقُها بعض المُشتغلين بالمشروع الإسلامي ضررها أكثر من نفعها، وهو يتصور أن لو لم يُصَرِّح بها لتخلَّى عن الفكرة نفسها أو عن المبدأ الإسلامي نفسه، وهذا فيه خلطٌ كبير بين مبدأ الإسلام نفسه وبين التصريح به، فهناك فرقٌ بين الحقيقة وبين التصريح بالحقيقة، وهذه الموازنة التي قام بها النبي - صلى الله عليه وسلم - تُرشدُنا إلى هذا المبدأ إلى أنه هناك فرق بين الحقيقة وبين التصريح بالحقيقة، فكونك تتخلى عن التصريح بالحقيقة في زمنٍ ما أو في حالةٍ ما ليس معناه أنك تخلَّيت عن الحقيقة، وليس معناه أنك ضَعُفت أو ضَعُفَ إيمانك بالتسليم بالحقيقة.

من أهم فوائد هذا القانون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت