على المصدر الأصلي، وإنما اعتمد على المصادر الوسيطة، وهناك أمثلة كثيرة تدلُّ على الوسيلة التي نتحدث عنها وخاصةً في الأحكام التي يُطْلِقُها الناس على بعضهم، فكثيرٌ من الأحكام التي يُطلِقُها الناس على أصدقائهم وأقاربهم وعلى من هم يشتغلون معهم في المجال نفسه سواءً كان علميًا أو اقتصاديًا أو إغاثيًا هي معلومات ليست مأخوذة من المصادر الأصلية، وإنما هي مأخوذةٌ من مصدرٍ ينقُلُ عن مصدرٍ آخر فتتغير عدد من التغيرات، ويُضاف إليها عدد من المعلومات، وتُحذف منها عدد من الفقرات المؤثرة في الحكم، فمن أراد أن يكون صاحب وعيٍ فعليه أن يحرص على الاعتماد على المصادر الأصلية.
ومعنى هذه الوسيلة أن من أراد أن يكون صاحب وعيٍ في عصرنا الحاضر، وخاصةً وعيًا دعويًا أو إصلاحيًا أو ما يتعلق بالمشروع الإسلامي لابد أن يحرص على دراسة التجارِب السابقة، واقعنا المعاصر في العقود الثلاثة الأخيرة أو في الخمسين سنة الأخيرة فيها تجارِب إسلامية كبيرة وضخمة بعضها اقتصادي، وبعضها فكري، وبعضها تعليمي، وبعضها دعوي، وبعضها جهادي، فلابد لنا أن نستوعب هذه التجارِب كلَّها، وندرسها دراسةً معمقة، فنعرف مواطن القوة فيها، ونعرف مواطن الضعف فيها حتى نُحسن أن نصنع مشروعًا آخر يمكن أن يكون صالحًا يتجاوز المُعضلات التي تُقابلنا في حياتنا، المُشْكِل أن كثيرًا من الشباب العاملين في المشروع الإسلامي إذا أراد أن يُحدد لنفسه مشروعًا أن يبدأ من الصفر، ولا ينظر في التجارِب السابقة، ولا يقوم بدراستها دراسةً معمقة، وإذا أردنا أن ندرس التجارِب السابقة لابد أن نكون في غاية التجرد وغاية الصدق، لأنَّ كثيرًا من الدراسات التي خرجت هي في الحقيقة تُعاني من ضعف الصدق، فلا تحرص على أن تُعْمِل جانب النقد بشكل واضح وصريح ومباشر، إنما مراعاةً أو مجاملةً أو غير ذلك.
هذه الوسيلة من أهمِّ ما يساعد على تكوين الوعي، وخاصةً في عصرنا الحاضر، والمُشْكِل أن تاريخ الإسلام في المتأخر يُعاني من إهمال وعدم تعمق في دراسته مع أن الأحداث التي مرَّت بالأمة في العقود المتأخرة أحداثٌ ضخمة ومتداخلة ومثيرة وثريةٌ جدًا تحتاج من الشباب المسلم في هذا العصر أن يحرص على هذه الأحداث، وعلى هذا التاريخ في الخمسين السنة الأخيرة حرصًا شديدًا لأنها من أهم ما يُبيِّن له طبيعة الصراع الموجود في العالم الإسلامي، وأيضًا من أهم ما يكشف طبيعة العقبات التي تقف أمام طريق المشروع الإسلامي، ومع هذه الأهمية كلها هناك اهمالٌ لهذا التاريخ وعدم اهتمامٍ به من جهة دراسته، وعدم اهتمامٍ به من جهة تدوينه وكتابته، كثيرٌ من الأشخاص الذين ما زالوا أحياءً حتى الآن لديهم تاريخٌ ضخم يحملونه في صدورهم، ومع ذلك لم يُقَيِّدوه ولم يُدَوِّنوه، وبعضهم بلغ من السنِّ عتيًا قد يموت ويموت معه تاريخٌ ضخم،